نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥ - ٢- أهل الكوفة والإمام عليه السلام
٢- أهل الكوفة والإمام عليه السلام
كلّنا نعلم بأنّ إحدى مشاكل حكومة الإمام علي عليه السلام تكمن في أهل العراق ولاسيما أهل الكوفة الذين يتّصفون بالتمرد وعدم الطاعة؛ الأمر الذي جعل الإمام عليه السلام يتعرّض له في عدّة خطب ليعرب عن إستيائه منهم وشكواه، في حين كانت روحية أهل الشام وطاعتهم تمثّل أحد عوامل تفوّق معاوية في أعماله.
وقد نظر بعض المؤرّخين إلى هذا الموضوع نظرة إيجابية فذهبوا إلى أنّ العلّة في عصيان أهل العراق على الأمراء وطاعة أهل الشام، أنّ أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح والترجيح بين الرجال، والتمييز بين الرؤساء، وإظهار عيوب الأمراء، وأهل الشام ذوو بلادة وتقليد وجمود على رأي واحد، لا يرون النظر، ولا يسألون عن مغيب الأحوال ومازال العراق موصوفاً أهله بقلّة الطاعة، وبالشقاق على اولى الرئاسة. [١]
إلّا أنّ المرحوم مغنية يرى أنّ هذا الكلام أجوف لا أساس له. فأي عيب كان يسع أهل العراق أن يردّوه على حكومة العدل العلوية حتّى مارسوا ذلك الشقاق والنفاق (أيّة فطنة ثاقبة تدفع بالأفراد إلى العصيان والتمرّد والذي أدّى إلى تلك الذلّة والخنوع أمام العدو؟!) والحق كما ذكره المؤرّخون ومنهم طه حسين في كتابه (علي وبنوه) أنّ سياسة معاوية كانت قائمة على المكر والخداع وشراء دين الناس بينما اعتمد الإمام علي عليه السلام على الحق والعدل، ولعل الشاهد على ذلك مارد به الإمام عليه السلام حين قال: «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه؟! واللَّه لا أطور به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجماً» [٢]. ثم ردّ عليه السلام على اولئك الذين قارنوا بين سياسته وسياسة معاوية قائلًا: «واللَّه ما معاوية بأدهى منّي لكنّه يغدر ويفجر ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس» [٣]. وهو الأمر الذي نلمسه اليوم بوضوح في عصرنا الراهن حيث يرى بعض الأفراد وضمن تحليلاتهم الاجتماعية أن الساسة
[١] نقل هذا الكلام ابن أبي الحديد عن الجاحظ (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١/ ٣٤٣).
[٢] نهج البلاغة، الخطبة ١٢٦.
[٣] نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٠.