نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٤ - القسم الأول الجهاد باب من أبواب الجنّة
والقماءة [١]» وكيف لا يعيش الذل والهوان والضعة من ضيع هذا السند العظيم؛ أي الجهاد.
وصحيح أنّ العبارتين قريبتان من بعضهما بالمعنى، إلّاأنّ هناك فارقاً طفيفاً، حيث كان الكلام هناك عن الذلة وهنا عن الحقارة والضعة. فالمفهومان مختلفان إلّاأنّها من قبيل اللازموالملزوم. وأمّا المصيبة الأخرى التي تطيل تارك الجهاد فهى
«وضرب على قلبه بالأسهاب» [٢]
فالأفراد الضعفاء والعجزة والمهزومون إنّما يعانون من الأوهام على الدوام فلا يسعهم تقييم الحقائق كما هى. فخشية العدو تجعلهم يعيشون في هالة من الخيالات المرعبة، أو أنّهم يلجأون إلى بعض الخرافات من أجل تحقيق النصر كأن يتخلوا عن السيف والمقاومة ويلوذوا بالسحرة والكهنة.
وقد حفل التأريخ بنماذج حيّة لمثل هؤلاء الأفراد، الذين لا يكشفون بذلك سوى عن ضعفهم وعجزهم، بينما يتنزه المجاهدون الشجعان عن مثل هذه السفاسف.
ثم ذكر الأثر السلبي الخامس بقوله عليه السلام
«وأُديل [٣] الحق منه بتضييع الجهاد»
، وذلك لأنّ الحق- كما ورد في المثل المعروف- يؤخذ ولا يعطى. فالطواغيت وأصحاب المنطق الغاشم والمستبدون لا يفوضون الحق لأصحابه أبداً، ولابدّ من التحلي بالقوة من أجل انتزاع الحق من براثن اولئك الطغاة؛ الأمر الذي نوه له الإمام عليه السلام في الخطبة التاسعة والعشرين بقوله
«لا يدرك الحق الا بالجد»
وأمّا الأثر السلبي السادس «وسيم الخسف» وبالالتفات إلى اطلاق الخسف والخسوفعلى زوال نور القمر والاختفاء في الأرض، وان «سيم» من مادة «سوم» بمعنى الحركة إثر شيء فان مفهوم الجملة سيكون: أنّ تاركي الجهاد في الواقع إنّما يسيرون باتجاه الزوال والانقراض؛ الأمر الذي لاحظناه بوضوح في الأمم والبلدان التي آلت إلى السقوط والانهيار إثر تقاعسها عن الجهاد. [٤]
[١] «القماءة» بمعنى الصغار و الذل.
[٢] الأسهاب ذهاب العقل أو كثرة الكلام، أى حيل بينه و بين الخير بكثرة الكلام بلافائدة، و قدورت بهذا المعنى فى الخطبة.
[٣] «أديل» من مادة «دولة»، قال صاحب المقاييس لها معنيين؛ الأول التحول و الانتقال، والآخر الضعف، واريد بها هنا المعنى الأول.
[٤] فسرها جمع من شرّاح نهج البلاغة بالذلة والهوان على أنّها من قبيل تكرار وتأكيد العبارات السابقة، أمّا ما أوردته في المتن فانه ورغم انسجامه مع المتون اللغوية الا أنه ينطوي على معنى جديد يأبى التكرار، وعليه يبدو هو التفسير الأنسب.