نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤ - القسم الثاني سبيل بلوغ مقامات الصالحين
وشرك معه آخر وكله اللَّه إلى ذلك الآخر وقال له خذ أجرك منه فانّك لم تعمل لي «واعملوا في غير رياء ولا سمعة، فإنَّه من يعمل لغير اللَّه يكله اللَّه لمن عمل له».
نعم خشية اللَّه وخشية مقارفة الذنوب والمعاصي لا تكفي لوحدها، بل لابدّ من الإتيان بالأعمال الصالحة البعيدة عن كافة أشكال الرياء والسمعة، والرياء يعني مراءاة الآخرين ولفت أنظارهم لما يقوم به الإنسان من أعمال، والسمعة أن يقوم بالعمل للَّه، إلّاأنّه يسعى لإسماعه الآخرين، بحيث يجلب انتباههم إليه، و إلّا يفعل ذلك يسر لسماع الآخرين فيثنون عليه ويطرونه.
والمعروف بين العلماء أنّ السمعة لا تبطل العمل، إلّاأنّها مذمومة خلقاً ومدعاة لانحطاط الإنسان الروحي والمعنوي، ولعلّها تؤدّي إلى زوال الأجر والثواب. وقد استدل الإمام عليه السلام في تحذيره من السمعة والرياء بأنّ اللَّه سبحانه لا يقبل إلّاالعمل الخالص لوجهه فإنّ شرك العبد معه أحد آخر وكله اللَّه إليه ليأخذ منه أجره، وبالطبع فإنّه لا يملك القدرة على إعطاءه الأجر والثواب. والعبارة هى مضمون حديث قدسي معروف نقل عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّ الحق سبحانه قال: «أنا خير شريك ومن أشرك معي شريكاً في عمله، فهو لشريكي دوني، لأني لا أقبل إلّاما خلص لي» [١].
ثم اختتم الإمام عليه السلام كلامه قائلًا: «نسأل اللَّه منازل الشهداء ومعايشة السعداء ومرافقة الأنبياء». حيث يهدف الإمام عليه السلام إلى تعريف الأُمّة بالقيم الإلهية الحقّة من قبيل الشهادة ومرافقة الأنبياء وهى الامور التي لا تنال بسهولة كما لا تمنح للإنسان بالمجان «ومن يطع اللَّه وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَاولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً* ذ لِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً» [٢].
فالمراحل الثلاث- الشهادة والسعادة ورفقة الأنبياء- التي وردت في كلام الإمام عليه السلام يمكن أن تكون من قبيل العلّة والمعلول، فالشهادة سبب السعادة، والسعادة سبب مرافقة الأنبياء.
كما يمكن أن يكون الكلام إشارة لطيفة إلى حوادث المستقبل وشهادة الإمام عليه السلام.
[١] منهاج البراعة ٣/ ٣٢٤ كما ورد هذا المضمون عن الإمام الصادق عليه السلام في بحار الأنوار ٦٧/ ٢٤٣.
[٢] سورة النساء/ ٦٩- ٧٠.