نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٠ - فلسفة الدعاء
وروحه من الأدران ويزيل عنه صدأ الماديات ويوصله بمصدر الخير والاحسان والعطاء، كما يشكل السبيل للاستزادة من فضل اللَّه ولطفه. ومن هنا فانّ أولياءاللَّه لا يستغنون في قضاء حوائجهم عن الدعاء، وبالدعاء يشعر العبد بالقوة، كما يشعر بالسكينة إثر التوكل على اللَّه فيهب لمواجهة المشاكل وقلبه مفعم بالأمل في التغلب عليها، ولا غرو فهو يعلم بأنّها مذللة لإرادة اللَّه تابعة لمشيئة وقدرته. كما تتأتى الحاجة إلى للدعاء في الأسفار المخيفة المحفوفة بالمخاطر، أمّا دعاء الإمام عليه السلام حين عزمه على السير إلى صفين فقد إقتدى به بالنبي صلى الله عليه و آله ومن سبقه من الأنبياء العظام. فقد كلف نوح عليه السلام بالتضرع إلى اللَّه حين ركب السفينة في ذلك الطوفان الهائل لينجيه اللَّه من تلك المخاطر «فَإِذا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ* وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ» [١] كما دعا موسى عليه السلام لما فرّ من أزلام فرعون حين خرج من مصر متوجهاً إلى مدين «وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلقْاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» [٢]. وقال حين لقي لبنات شعيب «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» [٣]. النبي الأكرم صلى الله عليه و آله حين هاجر من مكة إلى المدينة في ظل تلك الأخطار، كان يشعر بالتذمر لمفارقة مكة وبيت اللَّه، وكان يتمنى الرجوع اليها فاتته البشارة «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ» [٤] وكأنّ النبي صلى الله عليه و آله دعا اللَّه أو كان يعيش حالة الدعاء فاستجيب له. ومن هنا حثت الروايات على الدعاء في السفر. [٥] وتختتم البحث بما ورد عن علي عليه السلام حين إنطلق من الكوفة إلى الشام، حيث وضع رجله على الركاب فقال: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، فلما استوى على دابته قال:
«سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ* وَ إِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ» [٦]
ثم دعا بهذا الدعاء الذي فرغنا من شرحه.
[١] سورة المؤمنون/ ٢٨- ٢٩.
[٢] سورة القصص/ ٢٢.
[٣] سورة القصص/ ٢٤.
[٤] سورة القصص/ ٨٥.
[٥] الوسائلالشيعة ٨/ ٢٧٥- ٢٨١.
[٦] سورة الزخرف/ ١٣- ١٤.