نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٨ - القسم الأول عوامل ضعف أهل الكوفة
أجل إنّ ذلكم وهوانكم إنّما أفرزه شقاقكم وفرقتكم. إنّكم متحدون ظاهراً، مختلفون باطناً، وهذا ما أدى بكم إلى الاكتفاء بالأقوال الطنانة الرنانة بدلًا من الأفعال والأعمال؛ الأمر الذي يؤدي إلى تآكل المجتمعات وانهيارها إذا ما عاشت هذه الحالة
«تقولون في المجالس: كيت وكيت [١]، فاذا جاء القتال قلتم: حيدي حياد [٢]».
فالواقع هذه بعض الصفات البارزة للمنافقين والأفراد الضعاف النفس المسلوبي الإرادة الذين يكثرون الحديث في المجالس الخاصة والعامة ويستعرضون معاني الشجاعة والبسالة والعزم والإرادة الراسخة، وكأن قدرة هؤلاء لا تتجاوز هذه الأحاديث، فاذا وردوا ميدان القتال استحوذ عليهم الخوف والهلع وكأنّهم يصرخون، إليك عنّا أيّها القتال فارقنا وابتعد، بل هم مرعبون من ميدان الحرب والقتال ويختلقون مختلف الأعذار للفرار من الميدان. والعبارة «حيدي حياد» من مادة حيد بمعنى الميل والانحراف عن الشيء وتقابلها العبارة «فيحي فياح» بمعنى الرغبة في الشيء. ولعل المخاطب بالعبارة «حيدي حياد» الجنود والمقاتلون الذين تدعوهم عناصر النفاق والانهزام إلى اعتزال الميدان، وعلى العكس من ذلك دعوة عناصر القوة والاقتدار إلى القتال بقولها «فيحي فياح». كما يحتمل أن يكون المراد قولهم للمعركة ابتعدي عنا؛ الأمر الذي يكشف عمق خوفهم من قتال العدو، كما يمكن أن يكون المراد أنّهم كانوا يخاطبون أنفسهم بهذه العبارة بغية الاسراع في الابتعاد والاعتزال. وما أشبه هذه الطائفة المنافقة بمنافقي عصر الرسالة الذين صورتهم سورة الأحزاب: «قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ إِلّا قَلِيلًا* أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلى الخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ
[١] «كيت وكيت» من مادة «تكييت» بمعنى اعداد جهاز الناقة أو ملأ ظرف الماء، إلّاأنّ العبارة كيت وكيت تستعمل حيث يريد الفرد عمل كل شيء عن طريق الكلام، وهما كلمتان لا تستعملان إلّامكررتين ككناية عن الحديث.
[٢] «حيدي حياد»: صيغة فعل أمر من مادة «حيود» كنزال بمعنى أنزل، وهى كلمة يقولها الهارب عند الفرار والكتمان تأكيد لاحداهما الأخرى حيث تعني الميل والانحراف عن الشيء.