نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - الهدف من الدعوة إلى الصلح والبيعة
سبحانه وتعالى. ثم أزال الإمام عليه السلام الإبهام الذي قد يتسرب إلى عقول هؤلاء الأفراد باستمرار هذه الحالة القلقة فقال
«ولكن قد وقت لجرير وقتاً لايقيم بعده إلّامخدوعاً أو عاصياً»
فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام عين مدة بغية الحفاظ على مصالح المسلمين وعدم فوات الآوان ومرور الفرصة، فقد كان يعلم أنّ معاوية قد يماطل في الوقت ويشغل جرير، وأقصى ذلك هو الاهبة والاستعداد للقتال، ثم يرد بالسلب على دعوة الإمام عليه السلام بالبيعة في الوقت الذي تسلب الفرصة والمبادرة من الإمام عليه السلام وصحبه. إما لماذا حصر الإمام عليه السلام بقاء جرير عند معاوية باحتمالين؛ الخداع أو العصيان، بينما يمكن أن تكون عرضت له بعض الوقائع من قبيل المرض وما شاكل ذلك، وذلك لأنّ سائر الاحتمالات تبدو ضعيفة لا يكترث بها إزاء هذين الاحتمالين، أو على حد تعبير علماء الاصول أنّ الاصل في مثل هذه الامور السلامة، فلا ينبغي ترتيب الأثر على سائر الاحتمالات. ثم حاول تهدأة خواطر صحبه والتسكين من روعهم فقال
«والرأي عندي مع الأناة [١] فأرودوا [٢]».
من جانب آخر فانّ الإمام عليه السلام بغية عدم غفلة أصحابه في ظل تلك الظروف الحساسة المصيرية، وضرورة الابقاء على عزمهم الشديد والراسخ في مجابهة العدو وعدم إطفاء جذوة الحماس للقتال فقال عليه السلام:
«ولا أكره لكم الإعداد»؛
أي أني لا أعلن حالة التأهب فهذا الأمر يتعارض والصلح والسلام. وفى نفس الوقت لا أحول دون وظيفتكم في التعبئة الطواعية، والحق أنّ هذا لأعظم وأنجع اسلوب منطقي وعقلائي في مثل تلك الظروف العصيبة؟ أي لا تغلق أبواب السلام، ولا يعيش الجميع حالة الانفعال والغضب، ولا ينبغي أن تقع بعض الأعمال التي تفرزها طبيعة النفاق، وأخيراً لا ينبغي فوات الفرص دون جدوى!
الهدف من الدعوة إلى الصلح والبيعة
إن الإمام عليه السلام وخلافاً لما يعتقده البعض لم يقاتل معاوية، إلّاحين أتم الحجة عليه من كافة الجهات، بحيث لم يكن يلجأ إلى القتال إلّاحين يكون السبيل الأخير الذي اغلقت جميع السبل
[١] «اناة» بمعين التثبت والتأني والصبر.
[٢] «أرودوا» من مادة «رود» على وزن فوت بمعنى طلب الشيئ بالرفق والمداراة، ومنه الإرادة.