نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٥ - الهدف من الدعوة إلى الصلح والبيعة
دونه. تفيد هذه الخطبة أنّ علياً عليه السلام لم يستجب للضغوط التي مارسها أصحابه من أجل شروع القتال، وأنّه بذل قصارى جهده بهدف إرساء الصلح والسلام. والرسالة التي بعثها الإمام عليه السلام إلى معاوية بواسطة جرير لتؤكد هذا المعنى. فقد جاء فيها:
«إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فان إجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك للَّه رضى، فان خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فان أبي قاتلوه على إتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه اللَّه ما تولى. ولعمري يا معاوية، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبر الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلّاأن تتجنى، فتجن ما بدا لك». [١]
والواقع كان معاوية يعتمد ذريعتين لترك البيعة، الاولى أنّه كان غائباً حين تمت البيعة لعلي عليه السلام، والثانية أن الإمام عليه السلام مطالب بدم عثمان، فلا يمكن مبايعته، إلّاأنّ الإمام عليه السلام فند هاتين الذريعتين بالدليل والبرهان في الرسالة المذكورة، فلم يستجب معاوية بغية تحقيق أهدافه وأطماعه. على كل حال وكما ذكرنا أنفاً فانّ جرير عامل عثمان على همدان أعلن بيعته للإمام عليه السلام ومعه الناس إثر وصول كتاب الإمام عليه السلام. ثم ورد الكوفة وطلب من الإمام عليه السلام أن يوجهه إلى الشام لأخذ بيعة معاوية، لأنّ جل أهل الشام كانوا من قومه وأهل بلده ويطمع إلّايعصون أمره. فاعترض الأشتر وقال للإمام عليه السلام: لا تبعثه ولا تصدقه، فواللَّه إنّي لأظن هواه هواهم، ونيّته نيّتهم. إلّاأنّ الإمام عليه السلام إختاره لقول رسولاللَّه صلى الله عليه و آله فيه:
«إنك من خير ذى يمن»
كما لم يبدر منه خلافاً حتى ذلك الحين، ولعله لم يكن هناك من هو أفضل منه.
فدفع إليه الإمام عليه السلام كتابه، وقال له: «إئت معاوية بكتابي، فان دخل في ما دخل فيه المسلمون، وإلّا فانبذ إليه واعلمه أنّي لا أرضى به أمراً، وأنّ العامة لا ترضى به خليفة». فانطلق جرير حتى أتى الشام، ونزل بمعاوية وأخبره باجتماع مسلمي أهل الحرمين وأهل المصرين والحجاز واليمن ومصر وأهل العروض على بيعة الإمام عليه السلام ثم قال: فلم يبق إلّاهذه الحصون التي أنت فيها فبايع لعلي عليه السلام. ثم سلمه كتاب الإمام عليه السلام. فلم يستجب معاوية الذي كان شغفاً بالحكومة
[١] نهجالبلاغة، الرسالة ٦.