نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٨ - النجاة من الشبهة
الشبهات التي يعتمدها أولياء اللَّه
«فأما أولياء اللَّه فضياؤهم فيها اليقين ودليلهم سمت [١] الهدى».
فالعبارة قد تكون إشارة لأحد أمرين: الأول أنّ أولياء اللَّه الذين يؤمنون باللَّه والغيب إنّما يلوذون بالقرآن وكلمات أئمة العصمة لمواجهة ظلم الشبهات والخلاص منها بدافع من يقينهم بالوحي، وعليه فاليقين في العبارة هو الإيمان باللَّه ورسوله «وسمت الهدى» إشارة إلى هدي الوحي، كما قال القرآن «ذ لِكَ الْكِتابُ لَارَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقِين» [٢]. وقيل المراد باليقين الاستفادة من المقدمات القطعية والامور اليقينية التي من شأنها إنارة الطريق والقضاء على الشبهة، وبعبارة اخرى فانّ أولياء اللَّه الذين لايكترثون للاهواء ويحكمون العقل إنّما يسعهم في ظل هذا لاعقل أن يجتازوا الشبهات ويهتدوا إلى السبيل، ولو كان للأهواء من سبيل إلى العقل لما وسع هذا الفرد تمييز الحق من الباطل إذا إلتبس عليه الأمر. والتفسيران لايتعارضان، ويمكن الجمع بينهما في مفهوم العبارة المذكورة. قد يقال أنّ بعض الآيات والروايات قد اشتملت على المشتبه الذي يتضمن مختلف التفاسير، فما العمل في هذا الحالة؟
لقد أجاب القرآن الكريم صراحة عن هذا السؤال وذلك بالرجوع إلى الآيات المحكمة والروايات الصريحة التي تفسر تلك المتشابهة حتى يتمكن الفرد من إجتياز هذا الامتحان الإلهي بالآيات والروايات المتشابهة. والحياة الإنسانية على غرار الآيات القرآنية قد تنطوي على محكمات ومتشابهات، فقد ترى مثلًا حركة مريبة من أحد الأصدقاء تحتمل الوجهين في التفسير، وقد أرشدت مختلف الحوادث إلى نزاهته وعفته خلال كل هذه المسيرة، فلا شك أنّ حسن السيرة هذا من المحكمات وتلك الحركة المريبة من المتشابهات التي يمكن تفسيرها من خلال المحكمات. ثم تطرق الإمام عليه السلام لأعداء اللَّه في كيفية التعامل مع الشبهات فقال:
«وأما أعداءاللَّه فدعاؤهم فيها الضلال ودليلهم العمى»
فكل سبيل يتطلب دافعاً ودليلًا من أجل الحركة، وهنا يفترق الأفراد إلى أولياء اللَّه وأعدائه، فليس لأولياء اللَّه من دافع سوى اليقين باللَّه واليوم الآخر ودليل سوى الوحي والنبوة، بينما دافع أعداء ودليلهم الضلال وهوى
[١] سمت بمعنى الطريق أو الجادة، كما تطلق مشكل المحسنين، والتسميت هو الدعاء لمن يعطس حيثيسأل الله له السلامة، فالعطسة من علامات السلامة.
[٢] سورة البقرة/ ٢.