نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠ - الرضى والتسليم إلى جانب السعي والعمل
الرضى والتسليم إلى جانب السعي والعمل
لعل هنالك من يقول بأنّ روح الرضى والتسليم لأمر اللَّه في الرزق وفي المنافع المادية بصورة عامّة إنّما تهدأ النفس البشرية وتحدّ من جماحها وتحوّل دون الإنسان والارتماء في ميادين الحرص والطمع وجباية الأموال واللهث وراء الثروة والانغماس في المحرمات كما تصدّه عن استشعار معني الحسد والبغض، إلّاأنّ مثل هذا الشعور قد يقتل عند الإنسان روح السعي والمثابرة بحيث يتشبّث كلّ فرد بذريعة من الذرائع من قبيل أنَّ الأرزاق مقسّمة وكلّ قد سمّى اللَّه له رزقه ونصيبه فيخلد إلى السكون والدعة والكف عن العمل، فما جدوى ذلك والأرزاق قد قسمت؛ الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى تخلّف الأمّة في المجال الاقتصادي والتطور المادي واجتثاث جذور الفقر والحرمان.
إلّا أنّ هذا الإشكال قد يزول إذا ما ألتفت إلى أمرين: الأول هو أنّ هذه التعاليم الإسلامية والوصايا الأخلاقية إنّما توخّت الحد من تهافت الإنسان على الماديات وتناسيه لكل ما سواها، بعبارة اخرى فإنّ الإنسان يمتلك الدوافع التي تسوقه نحو الماديات والنهوض بحياته الاقتصادية، ولو لم تكن هنالك من كوابح لهذه الدوافع فإنّه سينطلق بسرعة هوجاء نحو الحرص والتسابق في جني الأموال والثروة بحيث يحطم كافة الحدود والقيود الأخلاقية والقيم المعنوية. وبعد هذا هو المعنى الذي أشار له الإمام علي بن الحسين عليهما السلام حين قال: «معاشر أصحابي! أوصيكم بالآخرة ولست أوصيكم بالدنيا! فإنّكم بها مستوصون وعليها حريصون وبها متمسِّكون» [١]. والأمر الثاني يكمن ضرورة جمع كافة الآيات والروايات الواردة بهذا الشأن من أجل التوصّل إلى النتيجة النهائية بخصوص التعاليم الإسلامية؛ لأنَّ القضايا الإسلامية المحورية لاتبدو واضحة المعالم من خلال آية واحدة أو حديث واحد. ففي مجال تحصيل الرزق والقناعة به وضرورة السعي والحركة هنالك الآيات والروايات التي أشارت من جهة إلى مسألة الرضى والتسليم تجاه التقديرات الإلهية، وهنالك من جهة اخرى
[١] بحار الأنوار ٧٥/ ١٤٧.