نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - الرضا والتسليم أمام إرادة اللَّه
لعل غفيرة تشير إلى أنّ الأموال والثروات لمن دوافع الغفلة وستر عيوب الإنسان حتّى عن نفسه، وإنْ وردت غفيرة هنا بمعنى المال الكثير.
مايجدر ذكره أنّ الفتنة هنا لا تعنى الامتحان، وإن وردت عادة بهذا المعنى في الأعم الأغلب، بل المراد بها ما يدعو إلى الفساد والخداع وردود الأفعال السلبية من قبيل الحسد والعداوة والبغضاء التي يمارسها الفقراء المعدومون حيال أصحاب الأموال والثراء. ثم قال عليه السلام:
«فان المرء المسلم مالم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت ويغرى بها لئام الناس، كان كالفالج [١] الياسر [٢] الذي ينتظر أول فورة من قداحه [٣] توجب له المغنم، ويرفع بها عنه المغرم». كما أنّ المسلمين البعيدين عن الخيانة إنّما ينتظرون من الحق سبحانه أمرين: أمّا حلول الأجل الإلهي (وقد أفنى عمره بطيب السمعة وحسن العاقبة) فما عند اللَّه خير له وأبقى.
وأمّا أنْ يوسّع اللَّه عليه رزقه في هذه الدنيا ويمّن عليه بالصاحبة والأهل والولد في سلامة من دينه وصون لعزته وكرامته «وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة ينتظر من اللَّه إحدى الحسنيين: إمّا داعي اللَّه فما عند اللَّه خير له، وإمّا رزق اللَّه فاذا هو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه». ولكن لابدّ من الإذعان إلى الفارق الكبير بينهما فأحدهما من قبيل زرع الدنيا كالمال والولد، والآخر من زرع الآخرة وهو العمل الصالح «وإنَّ المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة». وقد يجمع اللَّه سبحانه نعم الدنيا والآخرة لبعض الأفراد «وقد يجمعهما اللَّه تعالى لأقوام».
والواقع هو أنّ الإمام عليه السلام قد كشف بهذه العبارات عن حقيقة مهمّة ومصيرية في حياة الإنسان تكمن في ضرورة عدم تلوثه بالذنوب والمعاصي والإرجاس التي لا تجر عليهم سوى الخزي والعار والسقوط من أعين الناس والحد من شخصيته لديهم.
[١] «الفالج» من مادة «فلج»، قال صاحب مقاييس اللغة لها معنيان؛ الأول النصر والغلبة، والآخر المسافة بينشيئين. وفسّره صحاح اللغة بالظفر والفوز، وقد ورد هنا بهذا المعنى.
[٢] «الياسر» من مادة «يسر» بمعنى السهولة، وميسر ويسار حسب قول الراغب في المفردات بمعنى الغنى والثروة. وأطلق على المقامر الذي يلعب بقداح الميسر وقد وردت في العبارة بمعنى اللاعب بالقداح المحفوظ منها.
[٣] «قداح» جمع «قدح» على وزن فِعل بمعنى السهم. وهى في الأصل بمعنى كسر الشيء وعيبه.