نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٠ - القسم الأول الدنيا والآخرة عند الإمام علي عليه السلام
واشتعال الرأس شيباً والأمراض الفتاكة التي تودي بحياة الأفراد، حقاً لقد أصيبت الدنيا بالصمت والسكوت، إلّاأنّه مازالت تتحدث بلسان العبرة! وهذا ما أشار إليه الإمام عليه السلام في احدى خطبه
«فكفى واعظاً بموتى عاينتموهم، حملوا إلى قبورهم غير راكبين وانزلوا فيها غير نازلين، فكأنهم لم يكونوا للدنيا عماراً وكأن الآخرة لم تزل لهم داراً». [١]
ثم أشار عليه السلام في النقطة الثانية إلى موضوع إقبال الآخرة
«وإن الآخرة قد أقبلت، وأشرفت باطلاع» [٢]
. إنّ الموت يعد المنزل الأول من منازل الآخرة والذي يبتلع أبناء الدنيا، وهذا بدوره من علامات إقبال الآخرة. ومن هنا فقد أوصى الإمام عليه السلام الجميع بالاستعداد إلى الآخرة ومغادرة الدنيا والتزود لتلك الدار المحفوفة بالخطر قبل فوات الأوان. وذكر عليه السلام في النقطة الثالثة بالرابطة القائمة بين داري الدنيا والآخرة فقال
«ألا وإن اليوم المضمار [٣] وغداالسباق [٤] والسبقة الجنّة والغاية النار»
فقد شبه عليه السلام بهذه العبارة الرائعة الإنسان بالخيال الذي يخوض السباق، فمن الواضح أنّ مثل هذا الإنسان وعلى غرار الخيال يحتاج إلى التمارين والتدريبات المسبقة، حيث تصطلح العرب بالمضمار على الموضع أو الزمان الذي يضمر فيه الحيوان، بل يطلق على الحيوان الذي ينحف إثر التمارين لا على كل حيوان كما صرح الراغب في المفردات. آنذاك يبدأ السباق الذي يتضمن الفوز والخسارة وتسلم الجوائز من قبل الفائزين. فالإمام عليه السلام يرى الدنيا ميدان التأهب والاستعداد والآخرة ميدان السباق والجوائز، وسوف تكون جائزة الفائزين الجنّة ونصيب الخاسرين النار. ومن البديهي أنّ أحداً لا يسعه التمرين في ميدان السباق، بل عليه أن يتمرن ويعد نفسه قبل السباق؛ وهكذا الحال في المحشر،
[١] نهج البلاغة، الخطبة ١٨٨.
[٢] «اطلاع» من مادة «طلع» بمعنى الظهور، وطلوع الشمس بمعنى ظهورها، ويرى البعض أنّها تطلق علىالعلم المفاجئ، وأشرفت باطلاع، أقبلت بغتة.
[٣] «المضمار»: الموضع والزمن الذي تضمر فيه الخيل، وتضمير الخيل أن تربط ويكثر علقها وماؤها حتىتسمن، ثم يقلل علفها وماؤها وتجري في الميدان حتى تهزل، ثم ترد إلى القوت، والمدة أربعون يوماً، وقد يطلق التضمير على العمل الأول أو الثاني، واطلاقه على الأول لأنّه مقدمة للثاني وإلّا فحقيقة التضمير احداث الضمور وهو الهزل وخفة اللحم، وإنّما يفعل ذلك بالخيل لتخف في الجري يوم السباق.
[٤] «السباق» من مادة «سبق» ومسابقة من باب مفاعلة ولسباق نفس المعنى. وسبقة بمعنى الهدف المطلوبالذي يتسابق من أجله أو بمعنى الجائزة.