نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٨ - القسم الثاني الرحيل الوشيك
لهذا الأمر التكويني كالآية: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ» [١] والآية: «أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ» [٢]. وقد خوطب بهذا الأمر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الذي يمثل أشرف كائنات عالم الخلقة «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» [٣] والآية: «كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ» [٤].
كما يحتمل أن يكون المراد بقوله عليه السلام
«أمرتم بالظعن»
الأمر بالاستعداد للرحيل من الدنيا، كما ورد ذلك في الخطبة ٢٠٤
«تجهزوا رحمكم اللَّه فقد نودي فيكم بالرحيل» [٥]
. وأمّا الأمر بالتجهز والتزود فانّه يمثل رسالة جميع الأنبياء إلى البشرية وتنبيهها إلى الطريق الخطير الذي ينتظرها؛ وهو طريق طويل يشمل الفاصلة بين الدنيا والآخرة ولا يمكن السير عليه دون حمل الزاد، ولا معنى للزاد هنا سوى الإيمان والتقوى والورع والعمل الصالح «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى» [٦] ولا ينفع في الآخرة سوى القلب السليم المفعم بالإيمان وحبّ اللَّه «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إِلّا مَنْ أَتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» [٧].
وعليه فلا ينبغي أن يلتفت سالكوا هذا الطريق إلى الدنيا وما فيها وينخدعوا بزخارفها، بل عليهم الهم بالعمل الصالح الذي لا يبلغ بهم الهدف المنشود سواه «المالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدَّنْيا وَالباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا» [٨].
[١] سورة آل عمران/ ١٨٥.
[٢] سورة النساء/ ٧٨.
[٣] سورة الزمر/ ٣٠.
[٤] سورة القصص/ ٨٨.
[٥] على ضوء المعنى الأول فانّ الأمر في قوله «أمرتم بالظعن» هو أمر تكويني وأجل الهي ولكن ليس فيالجملة من تقدير، وهو أمر تشريعي على ضوء المعنى الثاني وفي العبارة تقدير هو التجهز والاستعداد، أو الظعن بالمعنى المجازي.
[٦] سورة البقرة/ ١٩٧.
[٧] سورة الشعراء/ ٨٨- ٨٩.
[٨] سورة الكهف/ ٤٦.