نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - المنزه عن الظن والخيال
أشار عليه السلام إلى صفة اخرى:
«لم يطلع العقول على تحديد صفته ولم يحجبها عن واجب معرفته»
فكنه ذاته ليس واضح لأحد ولا حقيقة صفاته، لأنّ ذاته وصفاته لا متناهية، فأنى لعقل الإنسان المتناهي والمحدود أن يحيط باللامتناهي واللامحدود مع ذلك فانّ أثاره الوجودية التي تجلت في كافة الوجودات جعلت الإنسان يلم على سبيل الإجمال بذاته وصفاته وإليك هذا المثال الناقص: كلنا نعلم بوجود الروح، وانّ الزمان حقيقة واقعة، إلّاأنّ إدارك حقيقة الروح وا لزمان ليس بالامر إلهين. وكلنا نعرف الفارق بين الكائن الحي والميت، ولكن ما كنه حقيقة الحياة؟ يبدو فهم ذلك صعباً، بعبارة أخرى لنا علم إجمالي بهذه الامور لاتفصيلي [١] ثم قال عليه السلام
«فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود [٢]»
الواقع أن جاحدي اللَّه إنّما يجحدوه لساناً بينما يقرون به قلباً «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَ نّى يُؤْفَكُونَ* ... وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الحَمِدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» [٣]. كيف يمكن إنكار وجود اللَّه وكل شي يهتف باسمه ويتقوم بوجوده. ثم إختتم عليه السلام كلامه بالقول
«تعالى اللَّه عما يقول المشبهون به والجاحدون له علواً كبيراً»
والمشبهة على نوعين: من يشبه اللَّه بعباده فيرى له جسماً ويداً ورجلا، والآخر من يشبه الآخرين به فيرى له شريكاً وشبيهاً فيعبده ويسجد له بدلًا من اللَّه. وقد ذهب بعض الشرّاح إلى المعنى الأول هو المراد من العبارة، في حين ذهب البعض الآخر إلى المعنى الثاني، ويبدو المعنى الثاني أصح إستناداً لقوله
«المشبهون به»
وان كانت الطائفتان على خطأ، لأنّه لايشتمل على صفات المخلوقين بحيث تتخلل الحوادث ذاته المقدسة، ولا يمكن لمخلوق أن يشمل مكانه لأنّه لا يتحلى بأي من صفاته.
[١] للوقوف على المزيد بهذا لاشأن راجع المجلد الأول من الشرح، الخطبة الاولى.
[٢] «جحود» و «جحد» بمعنى الإنكار الممزوج بالعلم- وقال الراغب في المفردات تعني نفي ما ثبت في القلب، أو إثبات ما نفاه القلب- وعليه ففي مفهوم الجحود نوع من التعصب والعداء الخفي ضد الحق.
[٣] سورة العنكوبت/ ٦١- ٦٣.