نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - القسم الأول لم الخشية من الشهادة؟
التأثير بسبب غفلة المقابل فان تكراره لا ينطوي سوى على الملل والتعب. ثم قال عليه السلام:
«أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا؟ وبالذل من العز خلفا؟»
إنّ هذا سكوتكم المميت وفراركم من الجهاد يدل على أنكم أوبقتم آخر تكم واستبدلتموها ببضعة أيام من الدنيا من جانب، ومن جانب آخر فقد أفريتم دنياكم، وذلك لانكم استبدلتم العزة والرفعة بالذلة والضعة؟ والحال إن موتاً بعزة أشرف بكثيرمن حياة بذلة؛ الرسالة التي لقنها أولياء الله والزعماء الربانيين أتباعهم على مدى العصور والدهور. فقد قال علي عليه السلام في نهج البلاغة
«فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين» [١]
وقال سيد الشهداء
«ألا وإنّ الدعي بن الدعي قد ركزني بين إثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة»
ثم خاطب جيش الكوفة
«إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخشون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم»
فالواقع أنّ عبارات الإمام عليه السلام كانت تمثل دليل سئمه عتابهم وكأنّهم عقدوا العزم على إيثار الذلة والحقارة وغضب الله على العزة والشرف ورضى الله، ومن هنا لم يعد للعتاب من أثر عليهم، حتى سئم الإمام عليه السلام عتابهم. أمّا في العبارة اللاحقة فيشير الإمام عليه السلام إلى ضعفهم ليلتفتوا إلى أنفسهم فيزيلوا ذلك الضعف فقال عليه السلام:
«إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم، فأنّكم من الموت في غمرة [٢] ومن الذهول في سكرة. يرتج عليكم حواري [٣] فتعمهون [٤]»
. قوله عليه السلام «يرتج عليكم حواري»- بالنظر إلى الحوار الذي يعني الكلام المكرر ويرتج من مادة (رت ج) بمعنى يغلق- له معنيان: الأول ما ذكر سابقاً، أي أنّ كلامي المكرر لا يؤثر فيكم فأنكم لا تدركوه، لأنّ باب الفهم أغلق بوجوهكم. والثاني أنّ لسانكم عقد عن جوابي، وذلك لأنّكم لا تمتلكون الرد المنطقي على كلامي- على كل حال فانّ نتيجة المعنيين واحدة تضمنتها العبارة اللاحقة وهى حيرتهم وضلالهم
«وكأن قلوبكم مألوسة [٥] فانتم لا تعقلون».
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٥١.
[٢] «غمرة» الواحدة من غمر وهو الستر، وغمرة الموت الشدة التي ينتهي إليها المحتضر، وهى الحالة التيكان يعيشها جيش الكوفة.
[٣] «حوار» من مادة «حور» بمعنى الرجوع وتطلق على المحادثة بين الأفراد والتي يصطلح عليها بالمحاورة، وقد وردت بهذا المعنى في العبارة.
[٤] «تعمهون» من مادة «عمه» بمعنى تتحيرون وتتردون.
[٥] «المألوسة» من مادة «ألس» تعني فقدان العقل، ومن هنا تستعمل حيث الخدعة التي تسلبِ عقل المقابل، وهى تعني المخلوطة بمس الجنون.