نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٩ - نظرة إلى الخطبة
غادر لواء يعرف به يوم القيامة» [١]
. ولما كان انحراف المجتمع عن المبادئ الأخلاقية يقود إلى تنكر القيم وتبدلها، حتى يعد العهد والمكر والخداع كياسة والالتزام بالعهود سذاجة وبلاهة فقد قال الإمام عليه السلام
«ولقد أصبحنا في زمان قد إتخذ أكثر أهله الغدر كيساً ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحلية»!
نعم فانّ قيم المجتمع إذا تنكرت بفضلها المعيار والمحك للحسن من القبيح فانّ ظهور مثل هذا الخلط لايبدو مستغرباً، فمن الطبيعي أن يصبح المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والملك شيطاناً والشيطان ملكاً وقديساً. وممّا يؤسف له أنّ هذه الظاهرة قد تفشت وبشكل واسع في عالمنا المعاصر فقد ينظر إلى الثعالب المكرة في السياسة العالمية على أنهم الساسة المهرة، بينها يرمون بالسذاجة وانعدام التجربة من يلتزم بالعهود والمواثيق ويراعون القيم الإنسانية والإلهية في سياستهم، وما أصعب العيش في مثل هذا العالم، وبالطبع فانّ نقض العهود واعتماد الكذب والخداع قد يجر على صاحبه بعض المنافع على المدى القريب ويحظى بمديح هذا وثناء ذاك، إلّاأنّ المفروغ منه أن عرى المجتمع إنّما تؤول إلى التصدع والانهيار على المدى البعيد. ومن هنا فان الأفراد من أهل الإيمان والوفاء إنّما يسعون لتحصين أموالهم وحفظ ثرواتهم من خلال الامانة وإحترام العهد في المعاملة، والدولة هى الاخرى مدعوة لرعاية هذا الأمر من أجل كسب ثقة سائر البلدان واستقطابها لضمان مصالح البلاد الاقتصادية. ومن هنا صرحت الرواية
«الأمانة تجلب الغنى والخيانة تجلب الفقر». [٢]
ولا شك أنّ هناك رابطة حميمة بين الأمانة والوفاء، رغم كونهما مفهومين منفصلين، ولذلك قال أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«الأمانة والوفاء صدق الأفعال» [٣]
. قال أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام ويدعى عبدالرحمن بن سبابه: ساءت حالي بعد وفاة أبي فلما حججت البيت رأيت الإمام الصادق عليه السلام فقال لي: أعظك؟ قلت بلى جعلت فداك، قال:
«عليك بصدق الحديث وأداء الامانة تشرك الناس في أموالهم هكذا- وجمع بين أصابعه- قال فحفظت ذلك عنه، فزكيت ثلاثمأة ألف درهم». [٤]
[١] نهجالبلاغة، الخطبة ٢٠٠.
[٢] بحارالانوار ٧٢/ ١١٤.
[٣] غرر الحكم ح ٨٣- ٢.
[٤] فروع الكافي ٥/ ١٢٤.