نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٥ - ٣- علاقة النصر بالثبات
وقد أعرب آخر عمره كما أورد ذلك المؤرخون عن مدى ندمه، ولكن حيث لم ينفع الندم وقد اغلقت كافة سبل العودة.
القرآن الكريم من جانبه أشار إلى هذا الأمر بصفته أحد العوامل الرئيسية المؤدية إلى الانحراف ولاسيما بالنسبة للعلماء من عبدة الدنيا. ومن ذلك ما أورده القرآن بشأن فريقاً من علماء بني اسرائيل- الذين كانوا يبشرون بظهور النبي قبيل انبثاق دعوته على ضوء العلم الذي كان لديهم والأخبار الواردة في كتبهم (التوراة والانجيل) إلّاأنّهم حرفوا الكلم حين تعرضت بعض مصالحهم المادية للخطر- فقد صرحت الآية ١٨٧ من سورة آل عمران قائلة:
«وَإِذ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ».
فمن الواضح أنّ القرآن الكريم يذمهم من أجل أنّهم حرصوا على متاع قليل، بل المراد أنّ المتاع المادي- وأن تضمن أرفع المقامات وأكثر الثروات- يبقى قليلًا مقارنة بالمتاع المعنوي «فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَلِيلٌ» [١].
على العموم فانّ كافة الأفراد الذين يقدمون طاعة المخلوق على طاعة الخالق ويؤثرون أطماعهم ومنافعهم على الآخرة ويضربون الأحكام الشرعية عرض الحائط ولا يكترثون للحلال والحرام من أجل تحقيق أهوائهم الشخصية إنّما هم في زمرة باعة الدين بالدنيا.
ويقابلهم اولئك الأفراد الذين لا يرون في أعمالهم سوى رضى اللَّه والتسليم لإرادته، وهؤلاء هم الذين وصفهم القرآن بحزب اللَّه الذين لا يرون حتى في الأهل والقرابة من عائق أمام رضى اللَّه «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ...» [٢].
٣- علاقة النصر بالثبات
إن كان النصر يقوم على عدة عوامل، فانّ أحد أهم هذه العوامل هو الصبر، وتبدو الرابطة
[١] سورة التوبة/ ٣٨.
[٢] سورة المجادلة/ ٢٢.