نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٣ - القسم الثالث المساومة السياسية المفضوحة
قبيل الدعاء، بل هى جملة خبرية؛ أي أنّ بيع الدين بالدنيا لا يقود إلى النصر أبداً، بل ستكون الخسارة من نصيب البائع والمشتري؛ الأمر الذي أشارت إليه بعض الآيات القرآنية «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ» [١] والآية «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ» [٢]. وتعبير الإمام عليه السلام بالأمانة عن حكومة مصر وحقوق أهلها من المسلمين إشارة صريحة إلى أنّ حكومة الامّة وإدارة شؤونها إنّما هى أمانة إلهية لابدّ أن ينهض بعبئها الأخيار الصالحين بغية ضمان مصالح الامّة، وأمّا اولئك الذين يتخذون هذه الحكومة وسيلة لتحقيق مآربهم وأغراضهم الشخصية إنّما يخونون هذه الأمانة الإلهية وهذا ما سيؤدي في آخر الأمر إلى فضيحتهم وزوال حكمهم.
ومن هنا صرح أغلب المفسرين بأنّ المصداق الوحيد أو المصداق البارز للأمانة الواردة في الآية الشريفة «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إِلى أَهْلِها» [٣] إنّما هى الحكومة والولاية. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بحث الامّة على الاستعداد والتأهب لمنازلة العدو
«فخذوا للحرب اهبتها» [٤]، وأعدوا لها عدتها فقد شبّ [٥] لظاها [٦] وعلا سناها [٧]»
. فالعبارة تفيد أنّ الإمام عليه السلام قد اعتمد كافة الطرق السلمية من أجل وضع حد لذلك النفاق والعداء ولاسيما غدر أهل الشام وحكامهم إلّاأنّ كل ذلك لم يجد نفعاً، فكان حجم التآمر والدسائس يزداد كل يوم، فما كان منه عليه السلام إلّاأن أمر بالتأهب للقاء العدو؛ فقد شبت لظى نيران الأعداء وتصاعدت ألسنتها، ولابدّ من مواجهتها والعمل على اطفائها. كما يشير التأريخ الإسلامي إلى أنّ أعداء الإمام عليه السلام كانوا يسارعون للاستعداد للقتال وقد بعثوا بكتبهم ورسائلهم إلى طلحة والزبير. وأخيراً يختتم الإمام عليه السلام بالإشارة إلى الصبر بفضله أحد أهم مقومات النصر فقال «واستشعروا
[١] سورة البقرة/ ١٦.
[٢] سورة البقرة/ ٨٦.
[٣] سورة النساء/ ٥٨.
[٤] «اهبة» على وزن لقمة بمعنى العدة والتأهب والاستعداد للقيام بعمل وإهاب على وزن كتاب بمعنى الجلدالذي لم يدبغ وقد اعد للدباغة.
[٥] «شب» من مادة «شبب الشباب»، ويستعمل في شب النار.
[٦] «لظا» بمعنى شعلة النار كما تطلق على نفس النار (الراغب في المفردات).
[٧] «سنا»، قال صاحب المقاييس تتضمن العلو والارتفاع وقد وردت في العبارة بمعنى تصاعد ألسنة النيران.