نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٨٢ - القسم الثالث المساومة السياسية المفضوحة
الآخر فقال: الحق بجماعة أهل الشام فلما دخل عمرو بن العاص الاشم، خاطبه معاية قائلًا:
«يا أبا عبداللَّه أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى اللَّه وشق عصى المسلمين وقتل الخليفة وأظهر الفتنة وفرق الجماعة وقطع الرحم» [١]. فقال له عمرو: من هو؟ قال: علي. فقال عمرو بن العاص: «واللَّه ما أنت وعلي بجملي بعير ليس لك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا جهاده ولا فقهه ولا علمه». وواللَّه إنّ له مع ذلك لحظاً في الحرب ليس لأحد غيره، ولكني قد تعودت من اللَّه تعالى إحساناً وبلاءً جميلًا؛ فما تجعل لي إن شايعتك على حربه، وأنت تعلم مافيه من الغرر والخطر؟ قال معاوية: حكمك، فقال عمرو: مصر. فتلكأ عليه معاوية وقال: يا أبا عبداللَّه إني أكره لك أن تتحدث العرب عنك أنّك إنّما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا، قال عمرو: دعني عنك. فأشار عليه عتبة بأن يجيب عمرو، فأجابه وأعطاه مصر. [٢] جدير بالذكر إنّ مصر كانت في نفس عمرو بن العاص لأنّه هو الذي فتحها في سنة تسع عشرة من الهجرة في خلافة عمر، فكان لعظمها في نفسه وجلالتها في صدره، وما قد عرفه من أموالها وسعة الدنيا، لا يستعظم أن يجعلها ثمناً من دينه. أضف إلى ذلك فقد ولاها أربع سنوات على عهد الخليفة الثاني، وأربع اخرى على عهد عثمان حتى عزله. ثم قال الإمام عليه السلام:
«فلا ظفرت يد المبايع، وخزيت أمانة المبتاع» [٣]
. فالواقع كلامه عليه السلام يتضمن الدعوة ضد المشتري والبائع. نعم صحيح أنّ معاوية قد وفى له بوعده وأعطاه مصر، إلّاأنّه لم يحكمها مدة طويلة بعد أن وافاه الأجل، إلى جانب ما نقل عنه أواخر عمره عن مدى خشيته من عاقبته ومصيره، فلم يذق طعم النصر الذي كان يحلم به. كما أنّ معاوية وإن وطد دعائم حكومته بهذا العمل إلّاأنّها آلت إلى الانهيار المخزي بعد أن انفرج عنه كافة الصحابة من المهاجرين والأنصار والأفراد المشهورين بحسن السمعة من أهل الورع والتقوى ولم يتمحور حوله سوى تلك الثلة التي ورثت العداء للإسلام وسليلي زعماء الجاهلية، فكانوا أعوانه الذين يبطش بواسطتهم الناس ويجرعونهم أبشع غصص القتل والارعاب والتهديد والوعيد. كما يحتمل ألا تكون العبارة من
[١] يقصد قرابة عثمان من بني هاشم.
[٢] «المبتاع» بمعنى المشتري والمراد به هنا معاوية والبائع عمرو بن العاص.
[٣] انظر أسد الغابة في معرفة الصحابة (عمرو بن العاص).