نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٥ - القسم الثانى الناس أربعة أصناف
فالعبارة رغم قصرها فقد أشارت إلى أعمالهم الظاهرية إلى جانِب فسادهم الباطنى واهدافهم الرخيصة، فهؤلاء الأفراد يستفرغون ما في وسعهم ليصبحوا على غرار فرعون أو قارون أو السامرى. وما اولئك الذين أججوا نيران الجمل وصفين إلّامصاديق بارزة لذلك الصنف من الأفراد، فالبفض اندفع من أجل المال وآخر من أجل المقام والمنصب والآخر من أجل الخلافة. ثم تطرق عليه السلام إلى نتيجة أعمال هؤلاء فقال
«و لبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا، وممالك عند اللَّه عوضا»
، ومن الطبيعي أنّ هذا الصنف من الناس الفاسد والشرير- الذي يخبط خبطا عشواء من أجل الظفر بالمال والمقام- لا يقيم لأحكام اللَّه وزنا ولا يصغي لصوت الضمير والوجدان ولا ينقاد لدليل العقل، فقد باع هذا الخزين الثمين بذلك الثمن البخس، باع الدين بالدنيا «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» [١].
بينما تظافرت الروايات التى تؤكد على قيمة الإنسان وأنّه لا ينبغي له بيع نفسه إلّابثمنها وثمتها الجنّة. كما صرحت الآيه القرآنية بأن بيع النفس بغير الجنّة ورضى اللَّه لا يستبطن سوى الخسران المبين «وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤوفٌ بِالعِبادِ» [٢].
فالآية تفيد أنّ بعض الناس (كعلي عليه السلام الذي نام على فراش رسول اللَّه صلى الله عليه و آله ليلة الهجرة) يبيعون أنفسهم من أجل رضى اللَّه سبحانه. وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال:
«إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلّاالجنّة فلا تبيعوها إلّابها» [٣].
ثم تعرض عليه السلام للصنف الثالث الذي يتصف بالتزوير- وأوضح صفاته
«و منهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا».
فهدف هذا الصنف هو ذات الهدف الذي ينشده الصنف الثانى المذكور مع فارق بسيط هو أنّ اولئك يجنون حطام الدنيا من خلال المنطق الغاشم والظالم والجور، بينما يعتمد هؤلاء على التزوير والخداع والغرور.
[١] سورة البقرة/ ١٦.
[٢] سورة البقرة/ ٢٠٧.
[٣] نهج البلاغة، الكلمات القصار ٤٥٦.