نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٠ - ١- خير الزاد
كبير مفعم بالطهر والخير والعطاء، بل هذا هو السفر الواقعي والحقيقي الذي ينقل الإنسان من هذا العالم السفلي والمتهافت للدنيا إلى عالم الآخرة العلوي والسامي الخالد، كما أنّ لوازم السفر التي يهيئها المسافر، هى الأخرى لابدّ أن توفر في هذا السفر الشاق من قبيل الزاد والمتاع والمركب ومعرفة نقطة الانطلاق والغاية ومطبات الطريق والمخاطر التي تعترض السبيل والتي ينبغي دراسة كل واحة منها بصورة مستقلة- فقد صرح القرآن الكريم بأنّ زاد هذا السفر إنّما يكمن في الورع والتقوى في اجتناب المعاصي وطاعة أوامر اللَّه والإتيان بالأعمال الصالحة.
وهو المعنى الذي أكده أمير المؤمنين علي عليه السلام كراراً في نهج البلاغة، ومن ذلك ماورد في الخطبة ١٨٣ حيث قال عليه السلام:
«وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم وقد أُوذنتم منها بالارتحال وامرتم فيها بالزاد»
وهن يبرز هذا السؤال: إنّما يستفاد من الزاد والمتاع طيلة السفر لا في المقصد والغاية، والحال إنّ الورع والتقوى تستفاد في الآخرة وتشكل مفتاح أبواب الجنان، فكيف اعتبرت التقوى هى الزاد والمتاع؟ وللإجابة على هذا السؤال لابدّ من القول بأنّ مبدأ هذا السفر طويل يبتدأ من لحظة الموت وسكراته ويستمر حتى عالم البرزخ وما يتخلله من مواقف القيامة ومنازل السؤال والحساب والصراط- والتي تتسم بتعددها وهول مطلعها- حتى تنتهي بالجنان. وممّا لاشك فيه أنّ التقوى هى زاد في عالم البرزخ كما أنّها الزاد والمتاع في مواقف القيامة ومنازلها قبل الدخول إلى الجنّة- نعم فانّ زاد التقوى هو الذي يجعل الإنسان يجتاز هذه المنازل الخطيرة بسلام ويقوده إلى منزله الأخير المتمثل بالجنة.
جدير بالذكر أنّ الآية الشريفة «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» جعلت التقوى هى المعيار الرئيسي لكرامة الإنسان وقيمته؛ الأمر الذي يؤكد المعنى المذكور في أنّ السبيل الوحيد للنجاة غداً إنّما يكمن في التقوى والتي عبّر عنه أحياناً بالزاد وأحياناً اخرى بصفتها تمثل ملاك الكرامة الإنسانية. وهذا ما وضحته بعض العبارات الواردة في الخطبة ٢٠٤ من نهج البلاغة
«وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فانّ أمامكم عقبة كؤودا ومنازل مخوفة مهولة لابدّ من الورود عليها والوقوف عندها»
. نسأل اللَّه سبحانه أن يوفقنا لتوفير هذا الزاد القيم قبل فوات الأوان، فلا نرد ذلك السفر بأيدي خالية، والحق أنّها خالية مقارنة بما عليه تلك الدار.