نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٩ - ١- خير الزاد
وأخيراً بعد أن لفت انتباه الأمة إلى الآخرة وزهدها في الدنيا وأوصاها بالتزود لتلك الدار وحذرها من ذلك الطريق الخطير الذي ينتهي سالكه إلى السعادة والقرب الإلهي إذا سار عليه بعمله الصالح وورعه وتقواه، عاد عليه السلام ليحذر من عقبتين خطيرتين تصدان الإنسان عن السعادة والفلاح
«وإن أخوف ما أخاف عليكم إثنتان: إتباع الهوى، وطول الأمل»
وهو المعنى الذي ورد في الخطبة ٤٢ بعد أن تناوله الإمام عليه السلام بشيء من التوضيح فقال:
«أيّها الناس وإن أخوف ما أخاف عليكم إثنان: إتباع الهوى وطول الأمل، فأما إتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسى الآخرة»
. وتفيد الإحاديث النبوية والأخبار والروايات أنّ هذه التعاليم قد احتذاها أمير المؤمنين عليه السلام من معلمه الأول الأكرم صلى الله عليه و آله؛ فقد وردت هذه المعاني في بحار الأنوار نقلًا عن النبي صلى الله عليه و آله [١].
والواقع هو أنّ هذين المرضين يعدان من أعظم عوامل الذنوب والمعاصي، لأنّ اتباع الهوى لا يعرف معنى للحدود والقيود، فاذا سيطر على الإنسان أعمى بصره وبصيرته وأصم سمعه بحيث لا يطيق سماع الحق من النبي صلى الله عليه و آله والإمام المعصوم عليه السلام ولا تعد لديه القدرة على رؤية الحقائق التي تحيط به، وعليه فهو يعيش حياته الدنيا كالصم البكم العمي الذين لا يفقهون؛ الأمر الذي يجعله عرضة للسقوط في الهاوية. أمّا طول الأمل فانّه يزين الدنيا بما ينسي الآخرة ويقتصر بهمة الإنسان على الدنيا التي يرى فيها مقامه الأخير وهدفه النهائي. ثم يختتم الإمام عليه السلام خطتبه بقوله
«تزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون [٢] به أنفسكم غداً»
نعم فهناك سفر طويل على الأبواب، سفر يتطلب المتاع والزاد الكثير، وعليه فينبغي للعاقل أن يلتفت إلى نفسه ويجهزها بما يجعلها تجتاز ذلك السفر الطويل قبل فوات الأوان، ويبتعد عن الأخطار والمطبات التي يمكنها عرقلة هذه السفر، فيطويه بكل إيمان وثبات ليصل إلى هدفه المنشود.
تأمّلان
١- خير الزاد
لا نرانا نبالغ إذا شبهنا الناس بالمسافرين الذين يغادرون منطقة صغيرة ملوثة نحو عالم
[١] بحار الأنوار ٧٠/ ٩١. فقد روى هذه الحديث جابر بن عبداللَّه الأنصاري عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في باب حب الدنيا.
[٢] «تحرزون» من مادة «حرز» بمعنى الحفظ، و «الحرز» على وزن الحرص بمعنى الموضع الآمن لحفظالأشياء.