منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٢٣ - الترجمة
معروفة، و لا أعمال معلومة، فاذا تولّد الفراغ تولّد منه النظر في الامور، و الفكر في الفروع و الاصول، فاذا نظروا في ذلك نظروا بطبائع مختلفة، فتختلف بهم المذاهب، فيتولّد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم و تضاغنهم، و هم مع اختلافهم هذا متّفقون و مجتمعون على بغض الملوك، فكلّ صنف منهم إنّما يجري إلى فجيعة الملك بملكه، و لكنّهم لا يجدون سلّما إلى ذلك أوثق من الدين و الناموس، ثمّ يتولّد من تعاديهم أنّ الملك لا يستطيع جمعهم على هوى واحد، فان انفرد باختصاص بعضهم صار عدوّ بقيّتهم.
و من طبائع العامّة استثقال الولاة و ملالهم و النفاسة عليهم، و الحسد لهم، و في الرعيّة، المحروم و المضروب و المقام عليه الحدود، و يتولّد من كثرتهم مع عداوتهم أن يجبن الملك من الاقدام عليهم، فانّ في إقدام الملك على الرعيّة كلّها كافّة تعزيرا بملكه- إلى أن قال- فمن أفضى إليه الملك بعدي فلا يكوننّ باصلاح جسده أشدّ اهتماما منه بهذه الحال، و لا يكوننّ بشيء من الأشياء أكره و أنكر لرأس صار ذنبا أو ذنب صار رأسا، و يد مشغول صار فارغة، أو غنيّ صار فقيرا، أو عامل مصروف، أو أمير معزول ....
و اعلموا أنّكم لن تقدروا على أن تختموا أفواه الناس من الطعن و الازراء عليكم، و لا قدرة لكم على أن تجعلوا القبيح من أفعالكم حسنا، فاجتهدوا في أن تحسن أفعالكم كلّها، و ألّا تجعلوا للعامّة إلى الطعن عليكم سبيلا ...
و اعلموا أنّ لكلّ ملك بطانة، و لكلّ رجل من بطانته بطانة، ثمّ إنّ لكلّ امرىء من بطانة البطانة بطانة، حتّى يجتمع من ذلك أهل المملكة، فاذا أقام الملك بطانته على حال الصواب فيهم أقام كلّ امرىء منهم بطانته على مثل ذلك حتّى يجتمع على الصلاح عامّة الرعيّة ....
و اعلموا أنّ ابن الملك و أخاه و ابن عمّه يقول: كدت أن أكون ملكا، و بالحريّ ألّا أموت حتّى أكون ملكا، فاذا قال ذلك قال ما لا يسرّ الملك، إن كتمه فالداء في كلّ مكتوم، و إذا تمنّى ذلك جعل الفساد سلّما إلى الصلاح،