منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٦١ - بحث حكمى عقلى فى ابطال رؤيته تعالى بالابصار فى الدنيا و الاخرة و يتبعه بحث روائى فى ذلك
اللّطيف في المقام لطائف يفهمها من كان له قلب.
نعم الوجه الأوّل الّذي بيّنه بعض آخر منهم من أنّ معنى الرؤية عندهم الكشف التامّ أي ينكشف لعباده المؤمنين في الاخرة انكشاف البدر المرئي متين غاية المتانة، لما علمت آنفا من أنّ الدّنيا دار شكوك و ارتياب، فاذا كان يوم القيامة كشف للعباد ما يزول به الشكوك.
قال بعض المحقّقين كما نقل المولى صدرا عنه في الفصل الرابع من الموقف السابع من السفر الرابع من الأسفار:
إنّ الإنسان ما دام في مضيق البدن و سجن الدّنيا مقيّدا بقيود البعد و المكان و سلاسل الحركة و الزمان، لا يمكنه مشاهدة الايات الافاقيّة و الأنفسيّة على وجه التمام و لا يتلوها دفعة واحدة إلّا كلمة بعد كلمة، و حرفا بعد حرف، و يوما بعد يوم و ساعة بعد ساعة.
فيتلو آية و يغيب عنه اخرى، فيتوارد عليه الأوضاع، و يتعاقب له الشئون و الأحوال، و هو على مثال من يقرأ طومارا و ينظر إلى سطر عقيب آخر، و ذلك لقصور نظره و قوّة إدراكه عن الإحاطة بالتمام دفعة واحدة قال تعالى: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ (ابراهيم- ٥).
فإذا قويت بصيرته و تكحّلت عينه بنور الهداية و التوفيق كما يكون عند قيام الساعة فيتجاوز نظره عن مضيق عالم الخلق و الظلمات إلى عالم الأمر و النور فيطالع دفعة جميع ما في هذا الكتاب الجامع للايات من صور الأكوان و الأعيان كمن يطوى عنده السجلّ الجامع للسطور و الكلمات، و إليه الإشارة بقوله تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ (الأنبياء- ١٠٤) و قوله: وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.
و إنّما قال بيمينه لأنّ أصحاب الشمال و أهل دار النكال ليس لهم نصيب في طيّ السماء بالقياس إليهم و في حقّهم غير مطويّة أبدا، لتقيّد نفوسهم بالأمكنة و الغواشي كما قال تعالى لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ (الأعراف- ٤٢)