منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٩ - نكتة
أنّ الرؤية القلبيّة به تعالى هي الكشف التامّ الحضوري و شهوده تعالى للعبد على مقدار تقرّبه منه تعالى بقدم المعرفة و درج معارف العقل و عقائد حقّانيّة برهانيّة، فإنّه عزّ و جلّ يتجلّى للعبد بقدر و عائه الوجوديّ، لأنّه ربّ العباد و الطرق إلى اللَّه بعدد أنفاس الخلائق، و هم في وجودهم و بقائهم في جميع الأحوال و العوالم ربط محض و فقر صرف، و الأوّل تعالى لا ينفكّ فيضه عليهم طرفة عين، و يفيض عليهم على مقدار قابليّتهم و سعة وجودهم و تقرّبهم، و العارف السالك يشهده على مقدار حقائق ايمانه لا بالكنه، و هذا الشهود الوجودي و الانكشاف التامّ الحضوري ذو درجات يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ (المجادلة- ١٢).
و تنتهي هذه الدّرجات إلى مرتبة يقول العبد السالك النائل بها على لسان صدق و قول حق: لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا.
قال يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب: إذا كانت العلّة الاولى متّصلة بنا لفيضه علينا و كنّا غير متّصلين به إلّا من جهته، فقد يمكن فينا ملاحظته على قدر ما يمكن للمفاض عليه أن يلاحظ المفيض، فيجب أن لا ينسب قدر إحاطته بنا إلى قدر ملاحظتنا له، لأنّها أغزر و أوفر و أشدّ استغراقا.
و قال المحقّق الشهرزوريّ في الشجرة الإلهيّة: الواجب لذاته أجمل الأشياء و أكملها، لأنّ كلّ جمال و كمال رشح و فيض و ظلّ من جماله و كماله، فله الجلال الأرفع، و النور الأقهر، فهو محتجب بكمال نوريّته و شدّة ظهوره، و الحكماء المتألّهون العارفون به يشهدونه لا بالكنه، لأنّ شدّة ظهوره و قوّة لمعانه و ضعف ذواتنا المجرّدة النوريّة يمنعنا عن مشاهدته بالكنه كما منع شدّة ظهور الشمس و قوّة نورها أبصارنا اكتناهها، لأنّ شدّة نوريّتها حجابها، و نحن نعرف الحقّ الأوّل و نشاهده، لكن لا نحيط به علما كما ورد في الوحي الإلهي «و لا يحيطون به علما و عنت الوجوه للحيّ القيّوم». نقلهما صدر المتألّهين عنهما في الفصل الثالث من المنهج الثاني من أوّل الأسفار.