منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٧٠ - الحديث الاول
فإذا كان الجسمان بحيث يتجاوران بأن يتّصل طرفاهما فكأنّهما كانا جسما واحدا فإذا وقع تأثير خارجيّ على أحدهما فيسري ذلك التأثير إلى الاخر كما تسخّن بعض جسم بالنار فانه يتسخّن بعضه الاخر أيضا بذلك التسخين، و كما استضاء سطح أحدها بضوء النيّر يستضيء سطح آخر وضعه إلى الأوّل كوضعه إلى ذلك النيّر.
و إنّما قيّدنا التأثير بالخارجي لأنّ التأثير الباطني الّذي لا يكون بحسب الوضع لا يسري فيما يجاور الشيء.
فإذا تقرّر هذا فنقول: إنّ الإحساس كالإبصار و غيره هو عبارة عن تأثّر القوى الحاسّة من المؤثّر الجسماني، و هو الأمر المحسوس الخارجي فلا بد ههنا من علاقة وضعيّة بين مادّة القوّة الحاسّة و ذلك الأمر المحسوس، و تلك العلاقة لا يتحقّق بمجرّد المحاذاة من غير توسّط جسم مادّي بينهما إذ لا علاقة بين أمرين لا اتّصال بينهما وضعا و لا نسبة بينهما طبعا، بل العلاقة إمّا ربط عقليّ، أو اتّصال حسّيّ فلا بدّ من وجود جسم و اصل بينهما.
و ذلك الجسم إن كان جسما كثيفا مظلما تسخّن فليس هو في نفسه قابلا للأثر النوري فكيف يوجب ارتباط المبصر بالبصر أو ارتباط المنير بالمستنير فإنّ الرابط بين الشيئين لا بدّ و أن يكون من قبلهما، لا أن يكون منافيا لفعلهما، فإذا لا بدّ أن يكون بينهما جسم مشفّ غير حاجز و لا مانع لوقوع أحد الأثرين أعني النور من النيّر إلى المستنير أو من البصر إلى المبصر أو تأدية الشبح من المبصر إلى البصر.
فعلى هذا يظهر فساد قول من قال: المتوسّط كلّما كان أرقّ كان أولى، فلو كان خلاء صرفا لكان الإبصار أكمل حتى كان يمكن ابصارنا النملة على الصّماء.
لا بما ذكروه في جوابه بأنّ هذا باطل فليس إذا أوجب رقّة المتوسّط زيادة قوّة في الإبصار لزم أن يكون عدمه يزيد أيضا في ذلك، فإن الرقّة ليست طريقة إلى عدم الجسم لأنّ اشتراط الرقّة في الجسم المتوسّط لو كان لأجل أن لا يمنع