منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠٠ - الحديث الثالث
المكبّرة و أن لا يكون بينهما حاجب ممّا قدّمنا في صدر هذا البحث من شرائط الابصار و أمّا العقل فيدرك ما هو مجرّد عن المادّة و الجهة و لا يشترط في رؤيته وجود الواسطة و عدم الظلمة و عدم القرب و البعد المفرطين و لا عدم الحاجب، فانه يدرك مطلقا و لذا قال ٧: أنت قد تدرك بوهمك أي بعقلك السند و الهند- إلخ، و المجرّد عن المادّة يكون أدقّ و ألطف و أكبر و أعظم وجودا من إدراكات البصر، لأنّ مدركاتها محبوسة محصورة.
و في نسخة مخطوطة مصحّحة من توحيد الصّدوق موجودة عندنا: أنّ أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون، بالثاء المثلّثة و هذا صحيح أيضا، و الكلّ يشير إلى معنى واحد أي أوسع وجودا.
و بالجملة أنّ كلّ ما تدركه أوهام القلوب لا تدركه العيون، بخلاف العكس و أنّ العقل مجرّد عن المادّة و مدركاتها كذلك، و ساير القوى ليست في مرتبته، و كذلك مدركاتها.
فالمدركات العقليّة أدقّ و أكبر و أكثر وجودا من الحسيّة، قل كلّ يعمل على شاكلته، فاذا لم يكن الوهم قادرا على إدراكه تعالى و الإحاطة به فما ظنّك بالعيون الّتي دون الوهم بمراحل، فنفي إدراكه تعالى بالوهم الّذي هو أوسع وجودا و أتمّ إدراكا يستلزم نفي إدراكه بالأبصار بطريق أولى، فانّ نفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ، كما أنّ نفي الحيوان يستلزم نفي الانسان على ما بيّن في صنعة الميزان.
ثمّ لا يخفى على من ساعده التوفيق أنّ هذه الأخبار الصادرة من أهل بيت العصمة تشير إلى تجرّد الرّوح الانساني الّذي به امتاز الانسان عن سائر الحيوانات و به كرّم اللَّه بني آدم عليهم، فالحيوانات و إن كانت قويّة في إدراكاتها الحسيّة لكنّها عاجزة عن نيل ما رزق به الانسان من تعقّل المعقولات و إدراك الحقائق المجرّدة و المعاني اللّطيفة الخفيّة من فعل العقل، و الفرق بين المعاني الحسيّة و بين المعاني العقليّة شرفا كالفرق بين الحاسّة و العقل.