منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩٩ - الحديث الثالث
ليس فصلا كالحكم العقلي، و لكن حكما تخييلا مقرونا بالجزئيّة و بالصّورة الحسيّة و عنه يصدر أكثر الأفعال الحيوانيّة، انتهى كلامه.
و كما أنّ العقل رئيس الوهم و مخدومه كذلك الوهم رئيس الحواسّ الظاهرة و الباطنة و مستعملها و مستخدمها و لذا بيّنوا أنّ آلتها الدّماغ كلّه و لكنّ الأخصّ بها التجويف الأوسط على التفصيل الّذي بيّن في محلّه.
و لكنّ المراد بالوهم في تلك الرّوايات معناه اللّغوي أي ما يقع في القلب من الخاطر. قال الطريحيّ في مجمع البحرين: الوهم ما يقع في الخاطر يقال:
و همت الشيء أهمه و هما من باب ضرب أي وقع في خلدي. و قال الفيوميّ في المصباح: و همت و هما وقع في خلدي، و الجمع أوهام.
فالمراد بأوهام القلوب إدراكاتها و منه قول الصّادق و الباقر ٨: كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم- الحديث الّذي ذكرناه في صدر هذا البحث.
و قد مرّ غير مرّة أنّ القلب في الايات و الأخبار بمعنى النفس و العقل. و الوهم بذلك المعنى أعني الإدراك المتعلّق بالقوّة العقليّة المتعلّقة بالمعقولات في الأخبار غير عزيز بل شائع ذائع.
و لا يبعد أن يقال: وجه التعبير بالأوهام إنّما كان من جهة عدم إحاطة العقول به تعالى أعني أنّ هذا التعبير يشير ضمنا إلى أنّ تلك الادراكات في صفة الباري تعالى أوهام من الوهم بمعنى الغلط و خيالات لا أنّها حقائق و معقولات صحيحة.
و إنّما كان إدراكات القلوب أكبر من أبصار العيون لأنّ القلب أعني العقل مجرّد و العقل قد لا يحتاج في إدراكه إلى المادّة و الجهة و غيرهما ممّا يحتاج إليها غيره من القوى المدركة في إدراكاتها.
و لا يخفى أنّ إدراك البصر مثلا مقصور على ما هو محصور في المادّة و لا بدّ أن يكون ذا جهة و وضع وضوء و لون و أن لا يكون بعيدا مفرطا عن محسّة الرؤية و لا قريبا منها كذلك، و أن لا يكون صغيرا جدّا ممّا يحتاج في رؤيتها إلى الالات