منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٧ - تنبيه
بهذا المعنى لأنّهم يتبادرون إلى الأحكام الّتي تحسّ بمحسّة لحشرهم معها و انسهم بها.
و أمّا التوجّه إلى ما وراء الطبيعة و السير إلى باطن عالم الشهود بقدم المعرفة فلا تيسّر لهم إلّا بعد تنبيه و ايقاظ و إرشاد، و لمّا رأى ٧ أنّه حمل الرؤية على ذلك بيّن له أنّ المراد من الرؤية هو الرؤية القلبيّة لا العينيّة، و قال ٧ رأته القلوب بحقائق الإيمان.
و أمّا الرؤية القلبيّة بحقائق الايمان فلابدّ من أن نمهّد مقدّمة في بيانه كي يتّضح المراد و هي:
أنّ حقيقته تعالى غير معلومة لأحد بالعلم الحصولي الصوري كما أنّها غير معلومة لأحد أيضا بالعلم الاكتناهي أعني إحاطته تعالى بالعقل أو الحسّ أو بغيرهما من القوى المدركة، و اتّفق على امتناع ذينك العلمين به تعالى الحكماء الالهيّون و العرفاء الشامخون.
أمّا الأوّل فلأنّ العلم الحصولي به تعالى إنّما يتمشّي فيما له ماهيّة حتّى يصحّ تعدّد أنحاء الوجود لتلك الماهيّة فيحصل نحو من وجوده في الأذهان، و العلم الحصولي هو حصول صورة الشيء و ارتسامه في الذّهن، و العلم بالشيء ليس إلّا نحو وجوده لدى الذات العاقلة المجرّدة، فهذا الوجود الذهني نحو من وجود ذلك الشيء الخارجي، غاية الأمر أنّ للذهني بالنسبة إلى الخارجي تجرّدا ما، و لكن الواجب تعالى لمّا كان حقيقته وجوده العيني الخاص و تعيّنه عين ذاته و إنيّته ماهيّته لا يتطرّق إليه التعدّد و الكثرة، فلا يرتسم في الذهن، فلا يكون معلوما لأحد بالعلم الحصولي.
و أمّا الثّاني فلأنّ ما سواه معلول له، و أنّى للمعلول أن يحيط بعلّته و هو دونها و شأن من شئونها، و هو تعالى لشدّة نوريّة وجوده الغير المتناهي العيني الخاصّ به و نهاية كماله وسعة عظمته و قاهريّة ذاته و تسلّطه على من سواه حجب العقول المجرّدة و النفوس الكاملة، فضلا عن الأوهام و الأبصار عن الإحاطة به و اكتناه ذاته