منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٧ - الحديث الرابع
التوحيد و التنزيه فلا يلبثوا أن يكذبوا بمثل هذا الموجود و يقعوا في تنازع و ينصرفوا إلى المباحثات و المقايسات بمثل الّتي تصدّهم عن أعمالهم المدنية، و ربما أوقعهم في آراء مخالفة لصلاح المدينة و منافية لواجب الحق و كثرت فيهم الشكوك و الشبه و صعب الأمر على السانّ في ضبطهم فما كل بميسّر له في الحكمة الالهيّة و لا السانّ يصلح له أن يظهر أن عنده حقيقة يكتمها عن العامّة بل يجب أن لا يرخص في تعرض شيء من ذلك. بل يجب أن يعرفهم جلال اللّه تعالى و عظمته برموز و أمثلة من الأشياء الّتي هي عندهم جليلة و عظيمة و يلقى إليهم مع هذا هذا القدر أعني انّه لا نظير له و لا شريك له و لا شبيه.
و كذلك يجب أن يقرر عندهم أمر المعاد على وجه يتصورون كيفيته و يسكن إليه نفوسهم و يضرب للسعادة و الشقاوة أمثالا ممّا يفهمونه و يتصورونه. و أمّا الحق في ذلك فلو يلوح لهم منه إلا أمرا مجملا و هو أن ذلك شيء لا عين رأت و لا أذن سمعته و أن هناك من اللذّة ما هو ملك عظيم و من الألم ما هو عذاب مقيم.
و كذا قال زينون الكبير تلميذ ارسطاطا ليس في رسالته في المبدأ و المعاد:
النبيّ يضع السنن و الشرائع و يأخذ الأمة بالترغيب و الترهيب يعرّفهم أن لهم الها مجازيا لهم على أفعالهم يثيب الخير و يعاقب على الشر و لا يكلّفهم بعلم ما لا يحتملونه فان هذه الرتبة هي رتبة العلم أعلى من أن يصل إليها كلّ أحد. ثمّ قال: قال معلمي ارسطاطاليس حكاية عن معلمه افلاطن: إنّ شاهق المعرفة أشمخ من أن يطير إليه كلّ طائر و سرادق البصيرة أحجب من أن يحوم حوله كلّ سائر.
أقول: و كأن الشيخ الرّئيس قد لاحظ عبارة زينون فيما قاله في آخر النمط التاسع من الاشارات: جل جناب الحقّ عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطّلع عليه إلّا واحدا بعد واحد.
قوله ٧: و يدلونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم ذلك لما مرّ آنفا من أن الانسان مدني بالطبع محتاج في تعيشه و بقائه إلى اجتماع فلا بد لهم من سانّ معدّل يدبّر امورهم و يعلّمهم طريق المعيشة في الدّنيا