منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٣ - الحديث الرابع
الاشارة الاولى من النمط التّاسع من الاشارات و التنبيهات و غيرهم من الحكماء الشامخين في مؤلفاتهم الحكمية و نأتي بما في الاشارات و شرحه للعلامة الطوسي فانهما وافيان في المقصود مع جزالة اللّفظ و رزانة النظم قال الشّيخ:
لما لم يكن الانسان بحيث يستقلّ وحده بأمر نفسه إلّا بمشاركة آخر من بني جنسه و بمعاوضة و معارضة تجريان بينهما يفرغ كلّ واحد منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه بنفسه لازدحم على الواحد كثير و كان ممّا يتعسر ان أمكن، وجب أن يكون بين النّاس معاملة و عدل يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة لاختصاصه بايات تدلّ على أنّها من عند ربّه و وجب أن يكون للمحسن و المسيء جزاء من عنده القدير الخبير فوجب معرفة المجازي و الشارع و مع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكورة للمعبود و كرّرت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير حتّى استمرت الدعوة إلى العدل المقيم لحياة النوع ثمّ لمستعمليها بعد النفع العظيم في الدّنيا الأجر الجزيل في الأخرى ثمّ زيد للعارفين من مستعمليها المنفعة الّتي خصّوا بها فيما هم مولّون وجوههم شطره فانظر إلى الحكمة ثمّ إلى الرّحمة و النعمة تلحظ جنابا تبهرك عجائبه ثمّ أقم و استقم.
و قال المحقق الطوسي في شرحه: اثبت النبوّة و الشريعة و ما يتعلّق بهما على طريقة الحكماء و ذلك مبني على قواعد و تقريرها أن نقول: الانسان لا يستقل وحده بامور معاشه لأنّه يحتاج إلى غذاء و مسكن و سلاح لنفسه و لمن يعوله من أولاده الصغار و غيرهم و كلّها صناعيّة لا يمكن أن يرتبها صانع واحد إلا في مدّة لا يمكن أن يعيش تلك المدة فاقدا إياها أو يتعسر إن أمكن لكنّها تتيسّر لجماعة يتعاونون و يتشاركون في تحصيلها يفزع كل واحد منهم لصاحبه عن ذلك فيتم بمعارضة و هي أن يعمل كلّ واحد مثل ما يعمله الاخر، و معاوضة و هي أن يعطى كلّ واحد صاحبه من عمله بازاء ما يأخذه منه من عمله فاذن الانسان بالطبع محتاج في تعيشه إلى الاجتماع مؤد إلى صلاح حاله و هو المراد من قولهم الانسان مدنى بالطبع، و التمدن في اصطلاحهم هو هذا الاجتماع فهذه قاعدة.
ثمّ نقول: و اجتماع النّاس على التعاون لا ينتظم إلا إذا كان بينهم معاملة