منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٥٤ - «التمسك بايتين و خمسة أخبار في الامام و صفاته»
قوله تعالى: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. عطف على الكاف من جاعلك و ان شئت قلت: و من ذريتي تتعلق بمحذوف تدل عليه كلمة جاعلك و من للتبعيض أى اجعل بعض ذريتي إماما كما يقال ساكرمك فتقول و زيدا و إنّما طلب الإمامة لبعض ذريته لعلمه بان كلّهم لا يليق بها لأن ناسا غير محصورين لا يخلو فيهم من ظالم غالبا قال اللّه تعالى: سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (الصافات ١١٥).
و أفاد بعض المفسرين انّه قد جرى إبراهيم على سنة الفطرة في دعائه هذا فان الانسان لما يعلم من أن بقاء ولده بقاء له يحبّ أن تكون ذريته على أحسن حال يكون هو عليها ليكون له حظ من البقاء جسدا و روحا. و من دعاء إبراهيم الّذي حكاه اللّه عنه في السورة المسماة باسمه رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي (إبراهيم: ٤٠) و قد راعي الأدب في طلبه فلم يطلب الإمامة لجميع ذرّيته بل لبعضها لأنه الممكن، و في هذا مراعاة لسنن الفطرة أيضا و ذلك من شروط الدعاء و آدابه فمن خالف في دعائه سنن اللّه في خليقته او في شريعته فهو شريعته فهو غير جدير بالاجابة بل هو سيئ الأدب مع اللّه تعالى لأنه يدعوه لأن يبطل لأجله سنته الّتي لا تتبدّل و لا تتحوّل أو ينسخ شريعته بعد ختم النّبوة و اتمام الدين.
و العهد في الاية الإمامة الّتي اعطاها اللّه تعالى إبراهيم و إنّما سميت تلك الرياسة الالهية عهد اللّه لاشتمالها على كلّ عهد عهد به اللّه تعالى إلى بني آدم كقوله تعالى وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ- و إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ.
و من عظمها و شرافتها في عين إبراهيم سأل الإمامة لبعض ذريته فأجابه اللّه تعالى بأن الإمامة عهده و لا يناله الظالمون يقال: نال خيرا ينال نيلا أى أصاب و بلغ منه. و بين اللّه تعالى انّ عهده ذو مقام منيع و درجة رفيعة لا يصل اليه يد الظالم القاصرة.
و أيضا دلّت الاية على أن بعض ذريته الظالم لا ينال عهد اللّه لأن الظالم ليس