منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢٥ - «كلام محمد بن طلحة الشافعي فيه
|
يغضى حياء و يغضى من مهابته |
فما يكلّم إلّا حين يبتسم[١] في كفّه خيزران ريحه عبق |
|
|
من كف أروع في عرنينه شمم |
[٢]
[١] هذا البيت مذكور أيضا في جامع الشواهد، يغضى الأولى على صيغة المعلوم و الثاني على المجهول من الاغضاء يقال: فلان أغضى عينه إذا طبق جفنيها حتى لا يبصر.
قال المرزوقى: قوله« يغضى حياء» اى لحيائه يغض طرفه فهو في ملكته و كالمنخرل له، و« يغضى من مهابته» اى و يغضى معه مهابة له، فمن مهابته في موضع المفعول له، كما أن قوله« حياء» انتصب لمثل ذلك و المفعول له لا يقام مقام الفاعل كما أن الحال و التمييز لا يقام واحد منهما مقام الفاعل، ثم قال: فان قيل: إذا كان الأمر على هذا فأين الذى يرتفع بيغضى؟ قلت: يقوم مقام فاعله المصدر كأنه قال: و يغضى الاغضاء من مهابته.
و الدال على الاغضاء يغضى، كما أنك إذا قلت: سير بزيد يومين لك أن تجعل القائم مقام الفاعل المصدر كأنه قيل: سير السير بزيد يومين و هو أحد الوجوه التي فيه فاعلمه. انتهى ما اردنا من نقل كلامه. و كذا في جامع الشواهد قال: يغضى بصيغة المجهول و نائب فاعله ضمير المصدر أى الاغضاء.
أقول: لما كان الإغضاء ادناء الجفون فيغضى يدل في كلا الموضعين على مفعوله اعنى الطرف و لما كان من مهابته لا يقوم مقام نائب الفاعل لعدم صحة المعنى حينئذ فيدل هو أيضا على أن نائب الفاعل محذوف و لا يكون ذلك الطرف الأول لانه لا يصح أن يقال فلان أغضى طرفه من مهابته بل يغضى طرف غيره من مهابته. و الفاء في فما و يروى مكانه فلا للتعليل أيضا و يكلم بصيغة المجهول و ضميره يرجع اليه ٧ فمعنى البيت هو ٧ يغضى طرفه من حيائه و يغضى طرف الناس من مهابته و لاجل مهابته لا يقدر أحد ان يتكلم معه( ع) إلّا حين يبتسم.
[٢] خيزران بفتح أوله و ضم ثالثه قال في الصحاح: اسم شجر و هو عروق القناة و الجمع الخيازر و الخيزران القصب. قال المرزوقى في شرح الحماسة: يعنى به المخصرة ..........
يمسكها الملوك بأيديهم يتعبثون بها.
في البحار: نقل كلام يناسب المقام فيه غرابة، قال الزمخشرى في الفائق: على بن الحسين( ع) مدحه الفرزدق فقال: في كفه جهنى ريحه عبق * ، من كف اروع في عرنينه شمم\E. قال القتيبى: الجهنى: الخيزران و معرفتى هذه الكلمة عجيبة و ذلك ان رجلا من أصحاب الغريب سألنى عنه فلم أعرفه فلما أخذت من الليل مضجعى أتانى آت في المنام ألا أخبرته عن الجهنى قلت: لم أعرفه قال: هو الخيزران فسألته شاهدا فقال: هدية طريفة في طبق مجنة فهببت و أنا أكثر التعجب فلم ألبث إلّا يسيرا حتى سمعت من ينشد: في كفه جهنى، و كنت أعرفه في كفه خيزران، انتهى.
قال المرزوقى: قوله« ريحه عبق» إذا فتح الباء فمخرجه مخرج المصادر كأنه نفس الشيء؛ أو على حذف المضاف، و الأصل ذات عبق، و إذا كسرت فهو اسم الفاعل و معناه اللاصق بالشيء لا يفارقه. يريد ان رائحته تبقى فهى تشم الدهر من كف اروع، و هو الجميل الوجه.
ثم قال: و الشمم: الطول. و العرنين: الأنف و ما ارتفع من الأرض و أول الشيء و تجعل العرنين كناية عن الأشراف و السادة و إذا قرن الشمم بالعرنين او الأنف فالقصد إلى الكرم. لذلك قال حسان بن ثابت:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم * شم الانوف من الطراز الأول\E انتهى ما قاله المرزوقى في شرح هذا البيت.
أقول: جعل العرانين كناية عن الاشراف و السادة مما لا كلام فيه قال الشاعر:
ان العرانين تلقاها محسدة * و لا ترى للئام الناس حسادا\E و لكن الظاهر من قول الفرزدق« في عرنينه شمم» انه يصفه ٧ بانه جميل الوجه، حسن المحيا، صحيح الخلقة أشم الانف اى أقنى الانف ضيق المنخرين ليس بأفطس فان الفطسة عيب و عاهة و الحجج الالهيّة سليمة عن العيوب و العاهات خلقا و دينا كما اشرنا اليه قبل. قال الجوهرى: الفطس بالتحريك: تطامن قصبة الأنف و انتشارها و الرجل أفطس و الاسم الفطسة لانه كالعاهة. و الشمم ارتفاع قصبة الأنف مع حسنها و استواء اعلاها و انتصاب .......... الارنبة او ورود الأرنبة و حسن استواء القصبة و ارتفاعها او أن يطول الأنف و يدق و تسيل روثته فان ورود الأرنبة و شم العرنين دليل النجابة و هذا مراد من قال: العرب انما ينجح بالشمم نفيا عن انفهم الفطس الذى يكون في الزنج.
و جاء في وصف شمائل رسول اللّه ٦ كما في السيرة الحلبية( ص ٣٧١ ج ٣ طبع مصر) رواية انه٦ دقيق العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله اشم و فسر الأشم في السيرة بقوله اى مرتفعا.
و في الكافى لثقة الاسلام الكليني باسناده عن جابر قال: قلت لابى جعفر ٧:
صف لى نبى اللّه ٦، قال ٧: كان نبى اللّه٦ ابيض مشرب بالحمرة- إلى أن قال-: يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء، الحديث و كنى باشراف أنفه ورود الماء عند شربه عن ستر رأسه المنخرين و ميله إلى قدام( كما في الوافي ص ١٦٠ ج ٢) و عن عدم كونه كانف الزنج.
و في البحار للمجلسي ;( ص ١٠٧ ج ١١ الكمپانى) نقلا عن مناقب ابن شهر آشوب في شمائل جعفر بن محمد الصادق ٨: كان الصادق ٧ ربع القامة أزهر الوجه حالك الشعر جعدا أشم الأنف.
و في كتاب سرّ الأدب في مجارى كلام العرب المعروف بفقه اللغة تأليف أبى منصور عبد الملك بن محمد الثعالبى النيسابورى في الفصل السابع عشر في اوصاف الأنوف المحمودة و المذمومة: الشمم: ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاها. القنا: طول الأنف و دقة ارنبته و حدب في وسطه. الفطس: تطامن قصبته مع ضخم ارنبته. إلى آخر ما قال.
و أما ما استشهد به المرزوقي من بيت الحسان فهو ما جوزه الشريف علم الهدى في أماليه( في باب المعمرين في ترجمة ذى الاصبع العدوانى) بعد ما احتمل ذلك المعنى الذى اخترناه.
على ان الشم في بيت الحسان جمع اشم و الاشم كما في المعاجم: السيد ذو الانفة، و لأحد أن يدعى ان الشم إذا قرن بالانف فالقصد إلى الكرم لا الشمم بالعرنين و ذلك لان الانف نسب اليه الحمية و الغضب و العزة و الذلة حتى قال الشاعر كما في مفردات الراغب: إذا غضبت تلك الأنوف لم أرضها * و لم اطلب العتبى و لكن أزيدها\E و لذا قيل شمخ فلان بأنفه للمتكبر، و ترب أنفه للذليل، و أنف فلان من كذا بمعنى استنكف حتى قيل الانفة الحمية و لم ينقلوا للعرنين هذه المعاني مع أن مادته لا يحتملها فتأمل.