منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧١ - الحديث الرابع
اردنا ذكره لانجاز المقصود و الايصال إلى المطلوب و بالفرض لو لم تكن أمثال هذا الحديث صادرة عنهم : لكان استدلالات تامّة و احتجاجات وافية في المقصود و هذه الأحاديث و امثالها معاضدات للعقل في حكمه و ارشادات له في قضائه و نحن بعون اللّه نأتي في بيان الحديث بطائفة من المطالب المختارة الحكمية العقلية ليزداد الطالب بصيرة إلى الفلاح و هداية إلى النجاة و النجاح.
قوله ٧: انا لما اثبتنا ان لنا خالقا صانعا. فيه اشارة إلى معرفة اللّه تعالى بالعقل و النظر و البرهان لا بتقليد الاباء و الأمّهات و العلماء و الأساتيذ و غيرهم.
قوله ٧: متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق. فانّ ما سواه تعالى مخلوقه و معلوله ممكن في ذاته و محتاج في وجوده و بقائه إلى جنابه فانّ الممكن في اتصافه بالوجود يحتاج إلى جاعل مرجح يخرجه من العدم و يجعله متصفا بالوجود فان كلّ عرضى معلّل و لما كانت العلة المحوجة إليه تعالى هو الامكان و ان الامكان لا يزول عن الممكن الموجود أيضا فمفتقر إلى علته في بقائه و وجود العلة فوق وجود المعلول في وجوده و جميع صفاته و متعال عن التّجسّم و التعلّق بالمواد و الأجسام و عن كلّ حد و صمة يتطرق في معلولاته.
قوله ٧: و كان ذلك الصانع حكيما متعاليا، فإنّ إتقان صنعه في مخلوقه على قدر لائق لكل شيء و النظام الأكمل الأتمّ المشهور في الكون المحير للعقول و الأمور الغريبة الحاصلة في خلق السماوات و الأرض و العجائب المودعة في بنية الانسان و الحيوان و النبات تدلّ على كمال حكمة بارئه فانّ الحكمة هو العدل و الحق و الصواب و الحكيم هو العالم الذى يضع الأشياء مواضعها، أو لم يتفكّروا في أنفسهم ما خلق السموات و الأرض إلّا بالحق، الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور، ثمّ ارجع البصر كرّتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير، و بالعدل قامت السماوات و الأرض. ثم ان الصانع الحكيم لا يترك النّاس سدى و لا يهملهم فلابدّ من أن يكون له سفراء في خلقه.