منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٧٦ - الحديث الرابع
يهديهم سبيل الخير و الهدى و ما يوجب لهم عنده الزلفى، فلابد من وجوب التكليف في الحكمة و إلّا لكان مغريا بالقبيح تعالى عن ذلك لأنّه خلق في العبد الشهوة و الميل إلى القبائح و النفرة و التأبي عن الحسن فلو لم يقرر عبده عقله و لم يكلّفه بوجوب الواجب و قبح القبيح و يعده و يتوعده لكان مغريا له بالقبيح و الاغراء بالقبيح قبيح و التكليف لا يتم إلّا بالإعلام و هو لا يتم إلّا بارسال الرّسل المؤدبين بادابه المؤيدين من عنده بامور قدسيّة و كرامات الهية و معجزات و خوارق عادات.
و بالجملة من هدى عقله إلى جناب الربّ هدى إلى ما يتفرع عليه فقد افلح و سعد و فاز و لذا ترى من سنة الأنبياء أن أوّل ما لقنوا عباد اللّه كلمة لا إله إلّا اللّه و المروي عن خاتمهم ٦ قولوا لا إله إلّا اللّه تفلحوا.
نعم لا يجب على السانّ تلقين جميع النّاس معرفته تعالى على الوجه الذي لا يفهمه إلّا الأوحدى من النّاس الحكيم المتأله المرتاض في الفنون و العلوم فان معاشر الأنبياء بعثوا ليكلموا النّاس على قدر عقولهم، و لا ريب أن الادراكات و النيل إلى المعارف و العلوم يتفاوت بحسب مراتب النّاس في صفاء نفوسهم و صقالتها قال الشيخ في إلهيات الشفاء:
و يكون الأصل الأوّل فيما يسنه تعريفه إيّاهم أن لهم صانعا واحدا قادرا و أنّه عالم بالسرّ و العلانية و أنّه من حقّه أن يطاع أمره فانّه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق، و أنه قد أعدّ لمن أطاعه المعاد المسعد و لمن عصاه المعاد المشقي حتّى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الاله و الملائكة بالسمع و الطاعة و لا ينبغي له أن يشغلهم بشيء من معرفة اللّه فوق معرفة أنّه واحد حق لا شبيه له.
فأمّا ان يعدي بهم إلى أن يكلفهم أن يصدّقوا بوجوده و هو غير مشار إليه في مكان و لا منقسم بالقول و لا خارج العالم و لا داخله و لا شيء من هذا الجنس، فقد عظم عليهم الشغل و شوش فيما بين أيديهم الدّين و أوقعهم فيما لا تخلص عنه إلّا لمن كان المعان الموفق الذي يشذ وجوده و يندر كونه، فانّه لا يمكنهم أن يتصوروا هذه الأحوال على وجهها إلّا بكدّ و إنّما يمكن القليل منهم أن يتصوروا حقيقة هذا