إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٨٠ - ١٧ شرح إعراب سورة الإسراء
في عمى العين عند الخليل و سيبويه [١] : لأن عمى العين شيء ثابت مرئيّ، كاليد و الرجل، فكما لا تقول: ما أيداه لا تقول: ما أعماه، و فيه قولان آخران: قال الأخفش سعيد: إنّما لم يقل ما أعماه؛ لأن الأصل في فعله اعميّ و اعمايّ، و لا يتعجّب مما جاوز الثلاثة إلاّ بزيادة. و القول الثاني أنهم فعلوا هذا للفرق بين عمى القلب، و كذا لم يقولوا في الألوان: ما أسوده ليفرقوا بينه و بين قولهم ما أسوده من السّؤدد و أتبعوا بعض الكلام بعضا. قال أبو جعفر: و سمعت أبا إسحاق يقول: إنما لم يقولوا: ما أقيله من القائلة؛ لأنهم قد يقولون في البيع: قلته ففرّقوا بينهما.
و حكى الفراء [٢] عن بعض النحويين ما أعماه و ما أعشاه و ما أزرقه و ما أعوره. قال:
لأنهم يقولون: عمي و عشي و عور، و أجاز الفراء: في الكلام و الشعر ما أبيضه و سائر الألوان، و كذا عنده. و قال محمد بن يزيد في قوله جلّ و عزّ: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمىََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىََ أن يكون من قولك: «فلان أعمى» لا يريد أشدّ عمى من غيره. قال أبو جعفر: و القول الأول أولى ليكون المعنى عليه لأن بعده وَ أَضَلُّ سَبِيلاً أي منه في الدنيا، و لهذا روي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: تجوز الإمالة في قوله جلّ و عزّ: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمىََ ، و لا تجوز الإمالة في قوله فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىََ . يذهب إلى أن الألف في الثاني متوسطة لأن تقديره أعمى منه في الدنيا و لو لم يرد هذه لجازت الإمالة. قال أبو إسحاق: وَ أَضَلُّ سَبِيلاً أي طريقا إلى الهدى؛ لأنه قد حصل على عمله لا سبيل له إلى التوبة.
وَ إِنْ كََادُوا لَيَفْتِنُونَكَ وزن كاد فعل على لغة أهل الحجاز و بني أسد، و بنو قيس يقولون: كدت، فهي عندهم فعلت، و قيل: إنهم فعلوا هذا ليفرقوا بينه و بين كدت من الكيد.
قيل: ثبّته اللّه جلّ و عزّ بالعصمة، و قيل: ثبّته بالوحي و إعلامه أنه لا ينبغي أن يركن إليهم فإنهم أعداء. و يقال: ركن يركن، و ركن يركن أفصح.
إِذاً لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ اَلْحَيََاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمََاتِ فكان في هذا أعظم العظة للناس إذ كان اللّه جلّ و عزّ أخبر بحكمه في الأنبياء المصطفين صلّى اللّه عليهم إذا عصوا.
[١] انظر الكتاب ٤/٢١٤.
[٢] انظر معاني الفراء ٢/١٢٨.