إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٨٣ - ١٧ شرح إعراب سورة الإسراء
إِلاََّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ استثناء ليس من الأول أي إلاّ أن يرحمك اللّه فيرد إليك ذلك. و الرحمة من اللّه جل و عز التفضّل.
فتحدّاهم النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بذلك فعجزوا عنه من جهات إحداها وصف القرآن الذي أعجزهم أن يأتوا بمثله، و ذلك أن الرجل منهم كان يسمع السورة أو الآية الطويلة ثم يسمع بعدها سمرا أو حديثا فيتباين ما بين ذينك من إعجاز التأليف أنه لا يوجد في كلام أحد من المخلوقين أمر و نهي و وعظ و تنبيه و خبر و توبيخ و غير ذلك ثم يكون كلّه متألفا. و من إعجازه أنه لا يتغيّر، و ليس كلام أحد من المخلوقين يطول إلا تغيّر بتناقض أو رداءة. و من إعجازه الحذف و الاختصار و الإيجاز و دلالة اللفظ اليسير على المعنى الكثير، و إن كان في كلام العرب الحذف و الاختصار و الإيجاز فإنّ في القرآن من ذلك ما هو معجز، نحو قوله جلّ و عزّ: وَ إِمََّا تَخََافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيََانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلىََ سَوََاءٍ [الأنفال: ٥٨]أي إذا كان بينك و بين قوم عهد فخفت منهم و أردت أن تنقض العهد فانبذ إليهم عهدهم أو قل قد نبذت إليكم عهدكم أي قد رميت به لتكون أنت و هم على سواء في العلم فإنك إن لم تفعل ذلك و نقضت عهدهم كانت خيانة، و اللّه لا يحبّ الخائنين. فمثل هذا لا يوجد في كلام العرب على دلالة هذه المعاني و الفصاحة التي فيه، و من إعجاز القرآن ما فيه من علم الغيوب بما لم يكن إذ كان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم كلّما سئل عن شيء من علم الغيب أجاب عنه حتى لقد سئل بمكة فقيل له: رجل أخذه إخوته فباعوه ثم صار ملكا بعد ذلك، و كانت اليهود أمرت قريشا بسؤاله عنه، و وجهوا بذلك إليهم من المدينة إلى مكة و ليس بمكّة أحد قرأ الكتب، فأنزل اللّه جلّ و عزّ سورة يوسف ٧ فيها أكثر ما في التوراة من خبر يوسف ٧، فكانت هذه الآية للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم بمنزلة إحياء عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم الميت الذي أحياه بإذن اللّه جلّ و عزّ.
وَ قََالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى تَفْجُرَ لَنََا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً هذه قراءة أهل المدينة، و قرأ أهل الكوفة حَتََّى تَفْجُرَ مختلفا، }و قرءوا جميعا التي بعدها فَتُفَجِّرَ قال أبو عبيد لا أعلم بينهما فرقا. قال أبو جعفر: الفرق بينهما بيّن؛ لأن الثاني جاء بعده (تفجيرا) فهذا مصدر فجّر و الأول ليس بعده تفجير، و إن كان البيّن أن يقرأ الأول كالثاني يدلّ على