إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٣٠٥ - ١٨ شرح إعراب سورة الكهف
السير. و حكى هو و الأصمعي أنه يقال: تبعه و اتّبعه إذا سار و لم يلحقه و أتبعه إذا لحقته. قال أبو عبيد: و مثله فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء: ٦٠]. قال أبو جعفر:
و هذا التفريق، و إن كان الأصمعي قد حكاه، لا يقبل إلاّ بعلّة أو دليل، و قوله عزّ و جلّ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ليس في الحديث أنه لحقوهم، و إنما الحديث لمّا خرج موسى صلّى اللّه عليه و سلّم و أصحابه من البحر و حصل فرعون و أصحابه انطبق عليهم البحر، و الحقّ في هذا أنّ تبع و اتبع و اتّبع لغات بمعنى واحد، و هي بمعنى السير، فقد يجوز أن يكون معه لحاق و أن لا يكون.
وَجَدَهََا تَغْرُبُ في موضع الحال فِي عَيْنٍ و الحمأة الطين المتغير اللون و الرائحة. وَ وَجَدَ عِنْدَهََا قَوْماً قُلْنََا يََا ذَا اَلْقَرْنَيْنِ إِمََّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمََّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قال أبو جعفر: قد ذكرنا قول أبي إسحاق أنّ المعنى أنّ اللّه جلّ و عزّ خيّره بين هذين الحكمين و ردّ عليّ بن سليمان عليه قوله جلّ و عزّ خيّره لم يصح أن ذا القرنين نبيّ فيخاطب بهذا، و كيف يقول لربه جلّ و عزّ: ثُمَّ يُرَدُّ إِلىََ رَبِّهِ و كيف يقول: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ فيخاطب بالنون. قال: و التقدير: قلنا يا محمد قالوا يا ذا القرنين. قال أبو جعفر: هذا الذي قاله أبو الحسن لا يلزم منه شيء أما قُلْنََا يََا ذَا اَلْقَرْنَيْنِ فيجوز أن يكون اللّه جلّ و عزّ خاطبه على لسان نبي في وقته، و يجوز أن يكون قال له هذا كما قال فَإِمََّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمََّا فِدََاءً [محمد: ٤]، و أما إشكال فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلىََ رَبِّهِ فإن تقديره أن اللّه جلّ و عزّ لما خيّره بين القتل في قوله إِمََّا أَنْ تُعَذِّبَ و بين الاستبقاء في قوله جلّ و عزّ وَ إِمََّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قََالَ لأولئك القوم. أَمََّا مَنْ ظَلَمَ أي أقام على الكفر منكم فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ أي بالقتل ثُمَّ يُرَدُّ إِلىََ رَبِّهِ أي يوم القيامة فَيُعَذِّبُهُ عَذََاباً نُكْراً أي شديدا.
وَ أَمََّا مَنْ آمَنَ أي تاب من الكفر. وَ عَمِلَ صََالِحاً قال أحمد بن يحيى: «أن» في موضع نصب في إِمََّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمََّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً قال و لو رفعه كان صوابا بمعنى فإمّا هو، كما قال: [الطويل] ٢٨٠-
فسيرا فإمّا حاجة تقضيانها # و إمّا مقيل صالح و صديق [١]
فَلَهُ جَزََاءً اَلْحُسْنىََ [٢] قراءة أهل المدينة و أبي عمرو و عاصم، و قرأ سائر
[١] الشاهد بلا نسبة في تفسير الطبري ١٦/١٨٥، و معاني الفراء ٢/١٥٨.
[٢] انظر البحر المحيط ٦/١٥٢، و معاني الفراء ٢/١٥٩، و تيسير الداني ١١٨.