البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٥ - صفة دخوله (عليه السلام) مكة
سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي،
قال ابن إسحاق [من المهاجرين]: فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل. قال ابن هشام يقال إنه عمر بن الخطاب، فقال يا رسول اللَّه أ تسمع ما يقول سعد بن عبادة؟ ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعلىّ «أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها».
قلت: و
ذكر غير محمد بن إسحاق أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما شكى اليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مر به، و قال يأبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة- يعنى الكعبة- فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة»
و أمر بالراية- راية الأنصار- أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، و يقال إنها دفعت الى ابنه قيس بن سعد. و قال موسى بن عقبة عن الزهري دفعها الى الزبير بن العوام فاللَّه اعلم.
[و ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار ثنا عبد اللَّه بن السري الأنطاكي ثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد. و حدثني موسى بن عقبة عن أبى الزبير عن جابر بن عبد اللَّه قال: دفع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الراية يوم فتح مكة الى سعد بن عبادة فجعل يهزها و يقول: اليوم يوم الملحمة يوم تستحل الحرمة. قال فشق ذلك على قريش و كبر في نفوسهم، قال فعارضت امرأة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مسيره و أنشأت تقول:
يا نبي الهدى إليك لجاحىّ* * * قريش و لات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأرض* * * و عاداهم آله السماء
[و التقت حلقتا البطان على القوم* * * و نودوا بالصيلم الصلعاء [١]]
إن سعدا يريد قاصمة الظهر* * * بأهل الحجون و البطحاء
خزرجيّ لو يستطيع من الغيظ* * * رمانا بالنسر و العواء
[فانهينه فإنه الأسد الأسود* * * و الليث والغ في الدماء]
فلئن أقحم اللواء و نادى* * * يا حماة اللواء أهل اللواء
لتكونن بالبطاح قريش* * * بقعة القاع في أكف الإماء
[إنه مصلت يريد لها الرأى* * * صموت كالحية الصماء]
قال فلما سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هذا الشعر دخله رحمة لهم و رأفة بهم، و أمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة و دفعت إلى ابنه قيس بن سعد، قال فيروي أنه عليه الصلاة و السلام أحب أن لا
[١] هذا البيت لم يرد في الأصل و إنما أورده السهيليّ في الروض الأنف و نسب الشعر الى ضرار بن الخطاب. و لم يورد البيتين المشار اليهما بعد هذا بمربعين. مع تحوير بعض ألفاظ منها.