بهجة النفوس والأسرار - الشيخ أبي محمّد عفيف الدين عبد الله بن عبد الملك المرجاني - الصفحة ٤٧
ومنذ قيام دولة المماليك وسلاطينها يظهرون إهتماما خاصا بالحجاز ، لم يقتصر على العناية بعمارة الحرم النبوي وإرسال الكسوة إلى الكعبة المشرفة فحسب ، وإنما امتدت عناية المماليك إلى بسط نفوذهم السياسي على الحجاز لأهميته الدينية والسياسية والتجارية [١] ، فهو ـ الحجاز ـ مهوى أفئدة المسلمين في كل مكان ، حيث هناك بيت الله الحرام ، ومهبط الوحي ، ومنطلق الدعوة ، ومدينة الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وهذا ما جعل لدولة المماليك مكانة خاصة في سائر بلاد المسلمين ، إضافة إلى لفها خلفاء بني العباس وأبنائهم ، وإعادة الخلافة بعد سقوطها.
هذا بالنسبة إلى تبعية الحجاز العامة ، أو دعاء الخطباء في الجمع والأعياد ، أما بالنسبة إلى السلطة الفعلية فقد كانت بيد أسر ، تنتسب إلى الحسن أو الحسين أبناء علي بن أبي طالب رضياللهعنهم ، وتعد نفسها عمالا لأصحاب السلطة في القاهرة [٢].
والواقع أن الخلافات بين أشراف الحجاز أنفسهم هي التي أتاحت للسلطان بيبرس تحقيق هدفه في الحجاز ، ذلك أنه قدم إلى مصر الشريف بدر الدين مالك بن منيف ليشكو عمه جماز بن شيحة [٣] أمير المدينة ، الذي حرمه نصيبه في نصف إمرتها إلى السلطان بيبرس سنة ٦٦٥ ه ، فقلده السلطان نصف إمرة المدينة ، وأرسل إلى عمه يعلمه بذلك ، فامتثل لأمر
[١] انظر : المقريزي : السلوك ١ / ٤٤٥ ، ٥٠٤ ، ٥١٢ ، سعيد عاشور : العصر المماليكي ص ٢٣٨.
[٢] انظر : محمود شاكر : التاريخ الإسلامي ، العهد المملوكي ص ٩٧.
[٣] جماز بن شيحة بن هاشم ، عز الدين ، أبو سند الحسيني ، أمير المدينة المنورة ، وليها بعد موت أخيه منيف سنة ست وخمسين وستمائة ، ثم انتزعها منه ابن أخيه مالك بن منيف في سنة ٦٦٥ ه ، ثم رجعت إليه في سنة سبعمائة ، فوليها إلى أن مات في سنة ٧٠٤ ه.
انظر : السخاوي : التحفة اللطيفة ١ / ٢٤٤.