الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٤٦ - ٥٩ - باب الصدق و الكذب و أثرهما
و الاستشكال للقصة من جهتين:
الأولى: أن نذرها من قبيل نذر المعصية و هو لا ينعقد.
و الثانية: أنه ما كان ينبغي لأم المؤمنين أن تهجر الهجر المحرم و الجواب عن ذلك أن عائشة رأت أن ابن الزبير ارتكب بما قال أمرا عظيما و هو قوله: لأحجرن[١] عليها. فإن فيه انتقاصا لقدرها، و نسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها اللّه تعالى، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها أم المؤمنين، و خالته أخت أمه، و لم يكن أحد عندها في منزلته. فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع منه نوع عقوق، و الشخص يستعظم ممن يلوذ به ما لا يستعظمه من الغريب، فرأت أن مجازاته على ذلك بترك مكالمته، كما نهي صلى اللّه عليه و سلم عن كلام كعب بن مالك و صاحبيه، عقوبة لهم لتخلفهم عن غزوة تبوك بغير عذر، و لم يمنع من كلام من تخلف عنها من المنافقين مؤاخذة للثلاثة لعظيم منزلتهم و ازدراء[٢] بالمنافقين لحقارتهم. فعلى هذا يحمل ما صدر من عائشة، و أنها رأت الهجر من النوع المأذون فيه، فنذرته، و كفّرت عنه لما لم تف به بمكالمتها ابن الزبير.
و انظر هذا الأدب العالي من الصحابة مع أم المؤمنين و كيف كان حرصهم على مرضاتها، و انظر حرصها على الوفاء بنذرها، و كيف بكت لما فاتها و كيف سخت نفسها بأربعين رقبة حررتها كفارة عن نذرها، ثم ما برحت تبكي بعد ذلك بكاء شديدا على نذرها؛ أن لم تف به! هكذا يكون الحرص على شرائع الدّين و احترام أمهات المؤمنين.
٥٩- باب: الصدق و الكذب و أثرهما
عن عبد اللّه بن مسعود عن النّبيّ صلى اللّه عليه و سلم قال: «عليكم بالصّدق، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، و إنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، و ما يزال الرّجل يصدق، و يتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند اللّه صدّيقا، و إيّاكم و الكذب، فإنّ الكذب
[١] - لأحجرن: حجّر الشيء ضيقه.
[٢] - ازدراء: ازدراه: حقّره و عابه.