الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٦٥ - الشرح
سبيلا يحله من هذا التعاقد.
لذا يبين الرسول صلى اللّه عليه و سلم أن كلا من البائع و المشتري بالخيار بعد الإيجاب و القبول بين إمضاء البيع أو فسخه ما داما في مجلس البيع فلكل منهما أن يفسخه بدون رضا الآخر، و يسمى هذا (خيار المجلس).
أما إذا ترك أحدهما صاحبه فلا خيار لهما و لا لأحدهما لأن ما كان بينهما من عقد قد تأكد بالمفارقة فلا سبيل إلى العدول عنه إلا برضا الطرفين بالإقالة.
فالتفرق المذكور في الحديث هو التفرق بالأبدان لأنه المفهوم عند الإطلاق إذا قيل تفرق الناس و لأن البيّعين (بتشديد الياء) هما البائع و المشتري على ما تقدم، و لا يسمى أحدهما بيّعا حقيقة إلا بعد حصول العقد منهما، و متى حصل العقد لا يكون منهما تفرق بالأقوال لا بالأبدان. و لأن كل واحد يعلم بداهة علما عاما أن المشتري بالخيار ما لم يوجد منه قبول المبيع، و أن البائع خياره ثابت في ملكه قبل أن يعقد البيع.
فلو كان المراد من التفرق الإختلاف في الأقوال و هي الإيجاب و القبول- إذ ليس بينهما أقوال سواهما- لخلا الحديث عن الفائدة و لم يكن له معنى- و بهذا تمسك من أثبت لكل من المتبايعين خيار المجلس، و هم جماعة من الصحابة و التابعين منهم: علي، و ابن عمر، و ابن عباس، و أبو هريرة، و شريح، و الشعبي، و عطاء- و ذهب مالك و أبو حنيفة إلى عدم القول بخيار المجلس و إلى أن الصفقة متى تمت بالإيجاب و القبول فلا خيار إلا بالشرط.
و لم يعملوا بهذا الحديث لمعارضته ما هو أقوى منه من نحو قوله تعالى:
وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ[١] لأن الآية تدل على طلب الإشهاد عند البيع فإن وقع قبل التفرق لم يكن له فائدة مع ثبوت خيار المجلس.
و إن وقع بعد التفرق، لم يصادف محله لأنه وقع بعد تمام البيع.
و قوله: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ[٢] و الراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يكن
[١] - سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.
[٢] - سورة المائدة، الآية: ١.