الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٧٦ - و خامسها كثرة السؤال
و إن مرض تقرحت جفونها التياعا[١]، فليس من حسن الصنيع أن يقابل ذلك بالجحود و الكفران أو يجعله في مطارح النسيان.
و قد خص الأم في هذا الحديث لأن العقوق إليها أسرع لضغفها و لينبه على أن بر الأم مقدم على بر الأب في التلطف و الحنو.
و ثانيها: دفن البنات و هن أحياء:
و كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك مخافة الفقر أو العار، لأن البنت ضعيفة المنة، عاجزة عن مزاحمة الرجال في كسب مادة الحياة فتكون عبئا على أبيها و حملا ثقيلا، فكان بعضهم يقتل البنات لتخف عنه ثقل معيشتهن، و بعض آخر يئدهن مخافة أن يجلبن عليه العار بزلة تجعل أهلها سبة الدهر.
و ثالثها: منع و هات:
و المراد بهما البخل بالمال عن الواجبات الشرعية و ما تقتضيه المروءة من زكاة و بر و إعانة محتاج و غوث مستغيث، و نحو ذلك و الطمع فيما ليس أهلا له، من ابتغاء أجر بدون عمل، أو زيادة على استحقاق لما في ذلك من إضاعة المروءة و إذلال النفس و أكل المال بالباطل.
و رابعها: قيل و قال:
و المراد تتبع أخبار الناس و أحوالهم للتحدث بها و إشاعتها و ربما كان في شيء منها ما يغضب المقول فيه، من أمور كان يود إخفاءها، و أسرار لا يحب إذاعتها، فتنشأ العداوة و تنمو الضغينة و يعم الفساد و الأذى.
أضف إلى ذلك ما يوصم[٢] به من كانت هذه صفته من المذلة و الصغار، و ما يلقاه من الناس من الإهانة و الاحتقار.
و خامسها: كثرة السؤال:
و المراد بذلك إما سؤال المال و الصدقة، و في ذلك من إراقة ماء الوجه و إذلال النفس ما يربأ أن يدنس به نفسه، و إما السؤال عن المشكلات و المعضلات و أخبار الناس و اختراع الأحاجي و الألغاز للتعجيز و الإرهاق، لما يترتب على ذلك من إضاعة الوقت في غير المفيد. و ربما كان في الجواب عن السؤال ما يؤلم السائل و يسيء إليه أو إلى غيره على حدّ قوله تعالى: لا تَسْئَلُوا عَنْ
[١] - التياعا: لاعه الهم و الحزن و الشوق: أحرقه.
[٢] - يوصم: وصمه: عابه.