الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٨٦ - و رابعهم من حبب إليه المساجد
القيامة في كنفه[١] و حياطته حيث لا ناصر لهم و لا معين.
أولهم: إمام نصّب ليرعى مصالح المسلمين
و ينظر فيما يرقيهم و يرفع شأنهم، فسار بينهم بالقسطاس[٢] المستقيم، و انتصف للمظلوم من الظالم، و لم يخش ضعيف من جوره، و لم يطمع قوي في جاهه و سلطانه، قد أخذ الناس بالحزم على الجادة، و مهد لهم سبل إقامة الدّين، و معرفة حدوده في غير إفراط و لا تفريط فأمن الناس في غدوهم و رواحهم على أنفسهم و أموالهم.
و في الحق أن العدل دعامة الملك، و وسيلة التقدم و العمران، و سير الأمم في سبيل الرقي بخطوات واسعة في جميع مرافق حياتها و وسائل نهضتها و سعادتها.
و يدخل في ذلك أيضا كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه.
و ثانيهم: [شاب ملازم لعبادة اللّه عز و جل]
شاب امتلأ فتوة و نشاطا، و اكتمل قوة و نموا، لازم عبادة اللّه و راقب في سره و جهره مولاه، لم تغلبه الشهوة. و لم تخضعه لطاعتها دوافع الهوى و الطيش[٣].
و ثالثهم: رجل خلا إلى نفسه فذكر عظمة ربه
و قوة سلطانه، و رحمته على عباده و جزيل إحسانه، فاغرورقت عيناه بالدموع و فاضتا طمعا في ثوابه و غفرانه، و رهبة من عذابه و أليم عقابه، لم يفعل ذلك رياء و خديعة على ملأ من الناس و مشهد منهم، مما يدل على صدق تأثره و عمق رهبته.
و رابعهم: من حبب إليه المساجد
فيظل متعلقا بها يسرع إليها إذا حان وقت الصلاة و يحافظ على أوقاتها، و ليس المراد حب الجدران و لكن حب العبادة و التضرع إلى اللّه فيها و هذا يستلزم تجافيه عن حب الدنيا و اشتغاله بها و هي رأس كل خطيئة.
و المساجد بيوت اللّه و مجتمع المسلمين و مناط وحدتهم، و التأم كلمتهم، شرعت فيها الجماعات في الجمع و الأعياد لما في ذلك من حكم جمة و فوائد لا تحصى.
[١] - كنفه: الكنف: جانب الشيء.
[٢] - القسطاس: اضبط الموازين و أقومها.
[٣] - الطيش: طاش طيشا: اضطرب و انحرف و زلّ.