الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٣ - الشرح
جدب على غير قياس و هي: الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء، و الإخااذات:
جمع إخاذة و هي الأرض التي تمسك الماء. و الرعي: تغذية الحيوان من المرعى، و القيعان: واحدها قاع و هي الأرض المستوية الملساء التي لا تنبت، و فقه: فهم، و فقه: صار فقيها.
الشرح:
بعث اللّه محمدا بالقرآن الذي يرشد الناس إلى طريق الخير، و يهداهم إلى وجوه المصلحة، و الذي يعرفهم الحقائق، و يبين لهم الأحكام، و يرفع عن قلوبهم غشاء الجهالة، فهو هدى و رشاد، و هو علم و نور شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ[١]. وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً[٢] غير أن الناس لم يكونوا في الانتفاع به بدرجة واحدة بل اختلفوا و تباينوا لاختلاف نفوسهم و تفاوت استعدادهم.
ففريق طيب النفس، صافي الفطرة، لم يدنسها بالآثام، و لم يفسدها بالأوزار، فهذا حينما يسمع الوحي يصغي إليه بأذنيه، و يتفهمه و يتدبره؛ و يفقهه و يحفظه، و تتأثر به نفسه الطيبة، و قلبه السليم، فيوحي إلى الأعضاء بالعمل به، و يأخذ في دعوة الناس إليه، فهو للقرآن سميع، و بأحكامه عليم، و لإرشاده مجيب، و للناس به ناصح أمين.
و هذا قد مثّله الرسول صلى اللّه عليه و سلم بالأرض الطيبة التربة، النقية الخصبة، إذا نزل بها المطر الغزير نفذ إلى صميمها، فأثر فيها، فاهتزت[٣] و ربت، و أنبتت بالماء العشب و الكلأ، فرعاه الحيوان، و عاد خيره للإنسان، بل أنبتت بالماء من كل زوج بهيج مما هو طعام للإنسان و غذاء أو فاكهة و متاع، فالأرض لجودتها قد حبست الماء في جوفها لمصلحتها، فأخصبت به بعد إجدابها، و حييت به بعد موتها، و نفعت الإنسان و الحيوان بما أخرجت من الكلأ و الثمار، كذلك القرآن إذا نزل صيب آية بالنفوس الطيبة حييت به القلوب الهامدة، فأوحت للمرء بالأعمال الصالحة و أخذ يعلم الناس ما علم و ينفعهم بما به انتفع، و هذا الفريق هو الذي قال اللّه فيه: قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ[٤].
و فريق خبثت نفسه، و فسدت فطرته، و مات استعداده، فهذا إن قرعت أذنه آي
[١] - سورة البقرة، الآية: ١٨٥.
[٢] - سورة النساء، الآية: ١٧٤.
[٣] - اهتزت الأرض: أخصبت و أنبتت.
[٤] - سورة فصلت، الآية: ٤٤.