الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٠٤ - ٢ - و أمرهما بالتبشير؛ و نهاهما عن التنفير
المروحة للنفوس، المزيلة للهموم، فتشحذ[١] منهم العزائم؛ و تعلو الهمم. فيقبلون على الأعمال الطيبة، فإذا دعونا جماعة إلي هذا الدين بدأناهم بذكر الثمرات التي يجنيها العبد من ورائه. فنذكر لهم العزة في الدنيا و الملك و الغني وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ[٢]. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[٣]. وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً[٤]، و نذكر ما أعد اللّه للمؤمنين في الحياة الآخرة. مما لا عين رأت و لا أذن سمعت. و لا خطر على قلب بشر، و نبين لهم سهولة الدّين، و أن شرائعه لا تثقل النفوس، و لا تحرجها، بل هي لها طهارة و سعادة و برد و راحة و إذا و عظنا شريرا ليرعوي عن غيه رغبناه في التوبة، و عرّفناه أنها تجبّ[٥] السيئات و أن أبواب اللّه لها مفتحة، و أن الإستقامة أجدى عليه من الإجرام، و إذا نصحنا طالبا ليجد في دروسه بيّنا له آثار الجد، و ثمراته في المجدين، و ما كسبوا من كبير المناصب، و علو الجاه، وسعة الثروة، ذلك هو التبشير.
أما التنفير فجانب سبيله، فلا تبدأ من دخل الإسلام حديثا؛ و لم يتمكن من نفسه بذكر أنواع المياه، و أحكام الاستنجاء، و فروض الوضوء و سننه و آدابه؛ و الغسل و أحكامه و أسبابه؛ و التيمم و أركانه ... و تستقصي في ذكر الأحكام له استقصاء حتى يرى نفسه أمام تعليمات ثقيلة و أحكام كثيرة؛ و كل هذا للصلاة وسيلة؛ فما الحال في المقاصد؟ إنها لكبيرة فينفر من الدّين بعد أن رغب فيه؛ و يهم بالنكوص[٦] بعد أن خطا فيه خطوة.
و كذلك لا تنفر العاصي بأن ما أسلفه من السيئات لا توبة له منه و لا إنابة؛ و لا بد من عقابه على ما أجرم فيرجع عن الإقلاع؛ و يستمر في الإجرام؛ و كذلك لا تبدأ الطالب الكسلان بوخامة[٧] العاقبة؛ و سوء النتيجة، فتفت في عضده؛ و تذهب ببقية
[١] - تشحذ: شحذ الهمة: قوّاها.
[٢] - سورة المنافقون، الآية: ٨.
[٣] - سورة النور، الآية: ٥٥.
[٤] - سورة الطلاق، الآية: ٤.
[٥] - تجبّ: تمحو.
[٦] - النكوص: نكص: رجع عما كان قد اعتزمه و أحجم عنه.
[٧] - الوخامة: يقال: هذا الأمر وخيم العاقبة أي سيء.