الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٧٠ - ١٠ - استعمال الحرير
فخرج النبي صلى اللّه عليه و سلم قباء من ديباج مزرور، فقال: «يا مخرمة خبأنا لك هذا»، و جعل يريه محاسنه، و قال: «أرضي مخرمة»، رواهما الشيخان[١]، و منها ما رواه أنس أنه صلى اللّه عليه و سلم لبس مستقة- فرو طويل الكمين- من سندس- رفيع- أهداها له ملك الروم، ثم بعث بها إلى جعفر، فلبسها. ثم جاءه. فقال: «إني لم أعطكها لتلبسها»، قال: فما أصنع؟
قال: «أرسل بها إلى أخيك النجاشي»- رواه أبو داود[٢]، و لبس الحرير أكثر من عشرين صحابيا. منهم أنس و البراء بن عازب راوي حديثنا.
من أجل هذا التعارض في الأدلة كان تحريم لبس الحرير موضع نظر.
فحكى القاضي عياض عن جماعة إباحته، منهم ابن علية؛ و لكن جمهور الفقهاء على التحريم للأحاديث التي سقناها أولا.
و قالوا إن حديث عقبة فيه «أنه لا ينبغي هذا للمتقين»، فإذا كان لبسه لا يلائم المتقين فهو بالتحريم أجدر، و قالوا في حديث المسور و حديث أنس: إنهما من قبيل الأفعال، فلا تقاوم الأقوال الدالة على التحريم. على أنه لا نزاع أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يلبس الحرير، ثم كان التحريم آخر الأمر كما يشعر بذلك حديث جابر قال: لبس النبي صلى اللّه عليه و سلم قباء له من ديباج أهدي إليه، ثم أوشك أن نزعه، و أرسل به إلى عمر بن الخطاب، فقيل: قد أوشكت ما نزعته يا رسول اللّه، قال: «نهاني عنه جبريل ٧»، فجاءه عمر يبكي، فقال يا رسول اللّه كرهت أمرا، و أعطيتنيه، فما لي؟ قال: «ما أعطيتك لتلبسه، إنما أعطيتك تبيعه؛ فباعه بألفي درهم»، رواه أحمد، وروى مسلم نحوه[٣]، و قالوا أيضا: حديث أنس في سنده علي بن زيد بن جدعان لا يحتج بحديثه؛ و قال الخطابي. يشبه أن تكون المستقة مكففة بالسندس، و قالوا إن ما لبسه الصحابة كان خزا؛ و هو ما نسج من صوف و إبريسم.
هذا و قال محمد بن علي الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار» يمكن أن يقال إن لبسه صلى اللّه عليه و سلم لقباء الديباج و تقسيمه للأقبية بين أصحابه و ليس فيه ما يدل على أنه متقدم
[١] - رواه البخاري في كتاب: اللباس، باب: القباء و فرّوج حرير و هو القباء( ٥٨٠٠).
و رواه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش أو غلظة( ٢٤٢٨).
[٢] - رواه أبو داود في كتاب: اللباس، باب: من كرهه( ٤٠٤٧).
[٣] - رواه مسلم في كتاب: اللباس و الزينة، باب: تحريم لبس الحرير و غير ذلك للرجال( ٥٣٨٦).