الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٠ - الشرح
الشرح:
قد يتصدق إنسان ليقال: إنه محسن، أو ليحظى بمكانه عند مليك أو وزيرا أو مديرا؛ أو ليكسب خدمة ممن تصدق عليه؛ و قد تصدق آخر ليكف يدا عن السؤال؛ أو ليحفظ على بائس عفته و حياءه؛ أو لمجرد الامتثال لأمر اللّه بالإنفاق؛ أو لابتغاء ثوابه و رضوانه؛ فالعمل من الشخصين واحد و هو التصدق و لكن اختلفت درجته باختلاف النية الباعثة عليه فهو من الأول في درجة دنيا لأنه قصد به منفعة دنيوية شخصية لولاها لما تصدق فباعث الخير الحقيقي لم يتوطن نفسه؛ و من الثاني في درجة عليا للباعث الطيب الذي ملأ قلبه و هو محبة الخير للناس؛ و حفظ الكرامة عليهم؛ و الامتثال لأمر اللّه؛ و ابتغاء مرضاته، مثل هذا يرجى منه خير كبير؛ و يرجى منه متابعة المعروف فهو مورد دائم لذوي الحاجات؛ و في مثل هذا يقول اللّه:
وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ بستان بمكان عال أَصابَها وابِلٌ مطر غزير فَآتَتْ أُكُلَها ثمرها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ مطر قليل وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[١].
أمّا الأول: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ[٢] حجر أملس عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً أملس لا نبات عليه. فالثاني: عمله مثمر؛ و الأول غير مثمر. شخص يصلي ليرائي الناس فيسموه بالصلاح؛ أو يكلوا إليه عملا ماليا يطلق فيه يده بالاختلاس؛ و آخر يصلي قياما بالواجب؛ و تطهيرا لنفسه؛ و إرضاء لربه؛ أصلاتهما بدرجة واحدة؟ لا.
كاتب أو شاعر أو خطيب يدعو إلى مصلحة عامة؛ و الباعث له وظيفة يرجوها أو حظوة[٣] عند ذي سلطان؛ أتكون درجته كاخر يدعو إلى ذلك لأن فيه خير الأمة؛ و لأن هذا بوحي قلبه المخلص لبلده؟ لا يستويان. فإن الأول إذا لم يصل لبغيته حطم قلمه؛ أمّا الثاني: فإنه دائب الدعوة، و لو لاقى في سبيل ذلك الصعاب؛ و قل مثل ذلك في سائر الأعمال؛ و بهذا عرفت أن معنى الجملة الأولى: الأعمال تابعة للنيات مقدّرة بها؛ و موزونة بميزانها؛ فدرجة كل عمل من درجة النية الباعثة عليه؛ فإن كانت
[١] - سورة البقرة، الآية: ٢٦٥.
[٢] - سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.
[٣] - حظوة: مكانة و منزلة.