الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢١٣ - الشرح
فالعاقل حقيقة من قهر نفسه و أخضعها لحكمة عقله و شريعة ربه فهو يحاسبها على كل ما تأتي و ما تذر. فإن خيرا ازداد منه و حمد اللّه و إن كان شرا أناب إليه و عاد على نفسه بالقهر و الإذلال حتى تسلك الإمام[١] المبين و لا تحيد عنه يمنة أو يسرة.
و سلوكه بالقيام بالواجب عليه لربه و نفسه و أهله و قومه فذلك ما ينفع لما بعد الموت من بعث و حشر و حساب و نعيم، و عقاب، و الحازم من يستعد لهذه الرحلة الطويلة و لذلك اليوم المشهود و لتلك الدار الباقية بنفس يطهرها و خلق طيب يتجمل به و عمل صالح يقدمه يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[٢]، ذلك الكيس الحاذق[٣].
أما العاجز المقصّر في الواجب فهو ذلك الذي يأتم بهواه فنفسه أسيرة شهواته كلما أهابت به[٤] لاقتراف فاحشة لبّى نداءها و كلما أخذت به عن سنن الحق سار وراءها غير مبال بما هو صائر إليه وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ[٥]، أما عقله و دينه فمقهوران لشهوته، فهي صاحبة الأمر تصرفه كما تريد فبحق ذلك هو الأحمق و إنه ليزيده حمقا تمنيه على اللّه الأماني الكاذبة فهو يعلل نفسه بعفو اللّه و مغفرته وسعة رحمته أو باستدراك ما فاته آخر حياته و لم يدر هذا العاجز أن رحمة اللّه كتبها للذين يتقون و يؤتون الزكاة و الذين يؤمنون بايات اللّه و يتبعون الرسول النبي الأمي. لم يدر هذا العاجز أن الموت غائب لا يدري متى يقدم و أنه قد يباغت[٦] الناس في ريعان الشباب حيث البنية سليمة و القوة موفورة، فالعاقل يجعل هواه خاضعا لعقله و من وراء إذن ربه و في الحديث «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».
و العاقل لا يتمنى من المكافات إلا ما يتناسب مع عمله الذي قدمه إن كان له عمل و الجنة ثمنها الإيمان و العمل الصالح وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ
[١] - الإمام: الطريق المستقيم.
[٢] - سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨، ٨٩.
[٣] - الحاذق: الماهر في عمله.
[٤] - أهابت به: دعته.
[٥] - سورة القصص، الآية: ٥٠.
[٦] - يباغت: يفاجىء.