الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ٢٩٧ - الشرح
و النبوغ[١] مقبور، و الجد في العمل مضمحل و الغيرة على أداء الواجب و الدأب في سبيل مصلحة الأمة و الأمانة في خدمتها و تقدير العاملين. كل ذلك يتلاشى[٢] و لا تجد له أثرا في حياتها و يحل مكانه الخمول و الضعف و تصاب مصالح الأمة بالشلل، و عقول النابغين بالعقم، و مواهب المفكرين بالجمود، و عزائم المجدين بالخور و الفتور. و أي خير يرجى من قوم يكون مقياس الكفاءة فيهم ما يتزلف به المرؤس من قرابين؟ و أي إنتاج يترقب من هيئة حكومية لا يرقى فيها إلا من قدم بين يدي رقيه أنواع الهدايا و الرشا لرؤسائه؟
و قد تلبس الرشوة ثوبا مستعارا و لكنه يشف عن حقيقتها بأن تكون على صورة هدية أو محاباة في بيع أو شراء أو إبراء من دين أو نحو ذلك و هي في جميع الصور رشوة بشعة المنظر سيئة المخبر، كريهة الرائحة، ملوثة للشرف و الكرامة، مضيعة للعفة و المهانة.
و لذا كان الراشي و المرتشي ملعونين من اللّه و من الناس، لأن الراشي يساعد المرتشي على تضييع الحقوق و يسهل له أكل أموال الناس بالباطل، و ينمي فيه الخلق السيء، و ييسر له التحكم فيما هو حق لغيره، فيستمرىء هذا المرعى الوبيل، و المرتشي قد أخذ مال غيره و منع الحق عن صاحبه حتى يأخذ الرشوة منه، و ربما كان الراشي في حاجة ماسة إلى ما يقدم إليه.
و الرشوة محرمة حتى و لو كانت في سبيل إيصال الحق إلى صاحبه لأنها مال بدون عوض، فما بالك إذا كانت لأجل ظلم شخص، أو منع المستحق عن حقه؟
و قد قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول».
و لقد قال العلماء: إن الهدايا التي تهدى للقضاة و نحوهم، هي نوع من الرشوة، لأن المهدي إذا لم يكن معتادا للإهداء إلى القاضي قبل ولايته، لا يهدي إليه إلا لغرض، و هو إما التقوى به على الباطل أو التوصل بالهدية إلى حقه، و أقل الأحوال أن يكون طالبا الزلفى إليه و تعظيمه و الاستطالة على خصومه أو الأمن من
[١] - النبوغ: نبغ المرء في العلم: برع و أجاد.
[٢] - يتلاشى: يذوب و يختفي.