الأدب النبوي - الخولي، محمد عبد العزيز - الصفحة ١٧٩ - الشرح
ليسوا من الغنى في شيء، و إن غني النفس مطمئن القلب. هادىء البال. لا يلحف[١] في سؤال. و لا يحرص على مال. و لا تذهب نفسه حسرة إذا فاتته صفقة[٢] أو ضاعت عليه فرصة. بل ما جاءه رضي به وقنع. و أنفق منه على نفسه و أهله. و بر الناس بعفوه و فضله. و هو من الناس ملك مبجل[٣]. و أمير موقر. و عظيم معزز. إذ لم ينزل بهم حاجته و لم يملك الحرص عليه منته، و الحاجة مذلة، و الحرص معرة. فإن كان إلى غنى النفس غنى المال. فتلك الدرجة العلياء. و العزة القعساء[٤].
أما من كثر ماله. و تشعبت أملاكه. و قلبه موزع بين ضيعته و عمارته. و ذهبه و فضته و فرسه و بقرته. ليس له همّ إلا جمع المال. يحرص عليه أشد الحرص، و يتميز[٥] غيظا إذا فاته القرش، و يتمنى كل ما في أيدي الناس إلى ما في يده. بل يحسدهم على ما رزقوا من نعمة. يخشى عدوى الفقر إن مدت يده إلى فقير بدرهم.
و يحسب الجائحة[٦] أن يتبرع لعمل خيري بيسير من وفره. و لم يبق ما يمتع فيه نفسه بثروته أو يقوم بواجبه لولده و زوجته. و قرابته و عشيرته ذلك هو الفقير حقا، المحروم صدقا.
|
و من ينفق الساعات في جمع ماله |
مخافة فقر فالذي فعل الفقر |
|
و هل يكون غنيا من نفسه لما في أيدي الناس متطلعة. و ليست بما في يدها راضية قانعة؟ هل يكون غنيا من هذا الحرص من قوته. و أعل من صحته. و منعه التكالب[٧] أن يروي نفسه من منهل العلم؛ و يغذّيها بلبان الحكمة؟
هل يكون غنيا من تبغي نفسه طعاما شهيا، أو ثمرا جنيا، أو لباسا رفيعا. فيأبى عليه حبه للمال. و شغفه بكنزه. إجابتها إلى طلبتها و تحقيق رغبتها؟ هل يكون غنيا من أولاده في بؤس؛ و أهله في ضنك يعيشون في أحضان الثروة و لكن من التمتع بها
[١] - يلحف: يلح بالمسألة و هو مستغن عنها.
[٢] - صفقة: البيعة.
[٣] - مبجّل: معظّم موقرّ.
[٤] - القعساء: ممتنعة ثابتة.
[٥] - يتميز: يتقطع.
[٦] - الجائحة: المصيبة تحلّ بالرجل في ماله.
[٧] - التكالب: تكالب على الشيء. تواثب كما تفعل الكلاب.